مصرنا التي أعشق كان لابد أن أغادر حدودها !

10 0 00

سعيت إلى حقول قريتنا ألقي عليها نظرة الوداع ، وكأني سأودعها إلى الأبد . تحركت غصون الأشجار ببطء حزين ، وتمايلت الأزهار مثقلة بأحزان الوداع ، وطائر يطير دائرياً ، والشجن في صوته لا أدري إن كان يودعني أم يودع سحابة النهار ، وماء الترعة في سكون أشبه بسكون الفقد .

وصبية جميلة ردت تحيتي بخفر ، واحمر منها الوجه ، والشجن الحبيب يشرخ صوتها .

سرت في القرية أملأ عيني بملامحها ، فتتغير كيمياء جسدي ، أشعر بالأشياء تبادلني نفس المشاعر كأني أقف على حافة الحياة .. أنظر إلى العالم نظرة ما عهدتها ، وفي الأفق مجهول لا أدري كنهه ، ولا أعرف بأي وجه سيلقاني ، وجه ملائكي ، أم وجه شيطاني ، لكن أملأ عذري الخجل يتراءى لي على الشاطيء الآخر من المتوسط .

صورة أوروبا الوردية ، الحياة بجدها ، وجديدها ، وضجيجها ، والحرية مولودها العفي ، وأيادي علومها القوية تكتب الاحلام واقعاً وتزيد .. صورة تشد العقل والقلب بجاذبية قاهرة ، لكن للمجهول دائماً مخاوفه فالحياة في أوروبا لم أعهدها بعد .

في أوروبا أكثر الناس ناجحون ، وهناك أيضاً فاشلون بل ومتسولون !

بالطبع فرص النجاح هناك هي الأكثر والأفضل ، ألست شاباً أملك قوة الشباب ، وطموح الشباب ، وروح المغامرة ، وقوة التحمل والإرادة ؟

غدا سأبدأ رحلة الكفاح ، وإن كنت قد بدأتها فعلاً ، إذ ذقت الأمرين من الوقوف على أبواب السفارات الأجنبية ، وقوفاً أقرب إلى التسول . موظفو الاستقبال مصريون للأسف كانت معاملاتهم لي ولأمثالي هي الأكثر سوءاً ، وعجرفةً ، وغباءً .. الأغرب أن صديقاً لي قد حصل على التأشيرة عن طريق أحدهم بعد أن دفع المطلوب .

ليلة السفر بعد خروج آخر المودعين حاولت النوم . أصر أخي الصغير أن ينام في حجرتي . رغم محاولاته المستمرة أن يكبت مشاعره انفجر نحيبه . مرات ومرات لم أنجح في تهدئته إلى أن قلت له أن بكاءه يذبحني فلم تصدر بعدها عنه نأمة.

أغمضت عيني فانهمرت الأفكار ، وتدافعت الخواطر تثقل رأسي . عدلت عن مغادرة الفراش عل النوم العنيد يأتي . من إغفاءة قصيرة إلى إغفاءة أقصر حان موعد السفر .. السيارة التي ستقلني إلى المطار يسمع صوت محركها ، وسائقها يتعجلنا .. احتضنتني أمي يكاد قلبها يسقط كدموعها الغزيرة ، بصعوبة بالغة انتزعني والدي من أحضانها ليحتضنني ، لم تكن مشاعره أقل من مشاعرها ، ثم تركني لإخوتي وأخواتي ومن تصادف وجودهم في المكان من أهل قريتي .. تقدمت إلى العربة كأني أسير نائماً تسقط رغماً عني دموع ناضلت ألا تسقط ، أنظر إلى الناس والقرية بقلبي وعيني .. من يدري ؟ ربما لا أرى القرية والأحباب ثانية .. ظللت أتابع الحقول الخصبة ، وفرع النيل السخي بالقلب قبل العين . رأيت كل شيء رائعاً جميلاً حبيباً حتى ما كنت أنفر منه ويضايقني سالفاً ، كل ما التقطته عيناي سقط في قلبي عزيزاً محبباً .

حقيبة صغيرة أحملها بكتفي ، الإجهاد متوطن في جبيني مع أثر واضح لشمسنا الفتية . أقف على بوابة الوطن متأهباً لاجتيازها .. لأول مرة يكون موقع الوطن خلف ظهري ، تتصارع في رأسي الخواطر والأفكار بلا فترة راحة أو وقت مستقطع .. ركبت الطائرة ، بعد دقائق شرع محركها في الدوران يزيد ضجيجه بانتظام ، الطائرة تتحرك ويتحرك معها القلب . وتثور الخواطر .. ترتفع عجلات الطائرة فيفارق جسدي لأول مرة الأرض الغالية ، تعلو الطائرة شيئاً فشيئاً فتزيد مقاومتها لجاذبية أرض الوطن ، تخلص إلى فضاء المتوسط قاصدة القارة العجوز .. بلادي بكاملها خلفي ، على الخريطة خلفي لكنها تحتل الرأس والعقل والجسد .. أخذتني شواغل أرض جديدة ، وتجربة لابد أنها ستكون ثرية ، وجدتني أردد الدعاء إلى العلي القدير مخلصاً ، تشف نفسي .. أتأمل السحاب الكثيف متعدد الألوان والأشكال فيزيد دعائي .. حاولت النوم فلم تنجح على الاطلاق محاولاتي رغم الإجهاد الشديد .. خدمة المضيفات الراقية والمستمرة وما يقدمنه من أطعمة ومشروبات كانت كريح طيبة .. أتابع مسيرة الطائرة على الخارطة الاليكترونية حيناً بعد حين .. دقائق وتهبط الطائرة إلى برلين ولست بالسائح الذي يملك برنامجه كاملاً بلا ثغرات ، وما من أحد ينتظرني على بوابة المطار يأخذ بيدي ، ولا أعرف مكاناً بعينه ، أو وجهة أتوجه إليها ، وما لدي من المال قليل ، جد قليل ، ولا أعرف كلمة واحدة من الألمانية .. لا أعرف إلا بعض كلمات الإنجليزية بنطق طفولي .. هاأنذا في بحر ولا أجيد العوم ، أنتظر ولو قشة أتشبث بها لكنها تجربة قام بها غيري ، هبطوا هنا كما هبطت ، وما لديهم لم يكن أفضل مما لدي ونجح معظمهم .

ركبت حافلة من المطار لا أعرف وجهتها توقعت أن تتجه إلى المحطة الرئيسة للقطار في المدينة العتيدة ، وبانجليزيتي الخجلة عرفت ممن سألته أن الحافلة تتجه إلى ما توقعته بعد أن عنفني أنني هنا في ألمانيا يجب أن أتكلم الألمانية فلست في بلد لغته الإنجليزية .

المحطة كأنها مدينة مستقلة .. قطارات عديدة تذهب وأخرى تجيء تقذف ما في جعبتها من البشر وما يحملونه .. أمواج من البشر تتلوها أمواج ذاهبة آتية .. أناس مسرعون .. متسكعون ، سكارى يترنحون ، عشاق يتعانقون ، وآخرون يشربون قهوتهم في هدوء ، لوحات اليكترونية تحمل مواعيد السفر والوصول وتحدد الأماكن ، لوحات أخرى للإعلانات التجارية ، حقائب تجر ، وأخرى تحمل ، وكل في واديه لا يعنيه من الآخرين شيء .. رغم التعب أخذت أجوب في جنبات المحطة أتأمل عالمها الثري .. صوت عربي بلهجة شامية التقطته أذناي كان له وقع المفاجأة السارة ، شددت إلى مصدر الصوت ، لكن الخجل عقد لساني لفترة ليست قصيرة ، لم يكن لي بد من أن أتكلم مع المتحادثين ، تقدمت بخطا مترددة وبصوت أكثر تردداً ألقيت السلام

وعليكم السلام أهلاً بأخينا المصري .. رد أحدهم وقبل أن أسأله كيف عرف هويتي طلب مني أن أنتظره قليلاً فاسترحت راحة من ألقاه الموج العنيف إلى جزيرة .. انتهى الشاب من محدثه سريعاً والتفت إليّ تعلو وجهه ابتسامة مريحة وأخذت كلماته العذبة تنسال كبلسم شاف :

لا تتعجب أن عرفت جنسيتك ، كأنها يا أخي مكتوبة على جبينك ، أعرف أنك تبحث عن مأوى ، جيراني مجموعة من المصريين يسكنون معاً ، سآخذك إليهم ، سأفرضك عليهم .

لن أكون ضيفاً ثقيلاً بحال ، لو أستطيع أن أقلص حجمي إلى حجم كرة صغيرة لفعلت ، لا أبتغي منهم غير مكان يأويني ليلاً ، وسأقضي نهاري كله باحثاً عن عمل . سأستخدم حصيلتي المتواضعة من الإنجليزية ، أو حتى لغة الإشارة ما أمكن .

أنا أخوك أحمد بشارة لبناني ومتزوج من ألمانية ، وأتاجر في السيارات ، لو أستطيع استضافتك عندي ما تأخرت .

وأنا سامي عبد الكريم .. كل الشكر يكفي جداً ما تقدمه لي .

ركبت وبشارة في سيارته الجميلة فانطلق صوت هرمنا الرابع أم كلثوم يشدو بقصيدة الأطلال ، وجدتني أفتح حقيبتي المتواضعة ، أعبث بمحتوياتها إلى أن وجدت شريط صورة لعندليبنا . أعطيته لبشارة ، على الفور ألقمه المسجل فانساب الصوت حريرياً يحمل عبق الأرض العريقة وروعتها .

على مدد الشوف مدنة ومدنة دي لصلاتنا ودي لجهادنا

مدخنة قايدة قلوب حسادنا تحتها صلب كأنه عنادنا

إلى أن صدح الصوت المعبر :

ناصر واحنا كلنا حواليه ناصر وعيون الدنيا عليه

ناصر والنصر بيسعى إليه والشعب دليله والهامه

أتعشق عبد الناصر يا سامي !

وهل هذا سؤال ؟

إذاً فقد جمعنا حب عبد الناصر ، سحبت صداقتي من مصريين كثيرين بسبب بغضهم لعبد الناصر .. كنت سأسألك عن موقفك من عبد الناصر قبل أن تعطيني الشريط ، إجابتك كانت ستحدد موقفي منك .

تسعدني بالطبع صداقتك ، ومن حسن حظي أن صادفتك ، ارجو أن تقبل مني هذا الشريط هدية متواضعة .

إنها هدية عظيمة وسأنسخ لك منه نسخة .