ثلاثة أشهر مرت سريعة ، كأنها اختطفت من عمري اختطافاً . لم أختل بنفسي ولو للحظة واحدة . أسرع إلى عش دينا فأجدها تعد كل شيء وتنتظر ، ألقاها بكل شوق وتلقاني بكل لهفة .. رويداً رويداً بدأت أتلكأ في العودة وتتلكأ هي أيضاً كأنا على اتفاق . هدأت موجات أنوثتها الجامحة تتباعد الفترات بين الموجة والأخرى ، وتتباعد ، أصبح لقاؤنا أشبه بلقاء روتيني فقدت طقوسه حرارتها ، وكثيراً من بريقها .. استأذنت دينا لزيارة إحدى صديقاتها ، فاختليت بنفسي كأن السؤال المعذب : وماذا بعد ؟ ينتظر الفرصة ، ففرض نفسه على ساحتي ، حاولت تجاهله فما نجحت محاولتي ، خرجت على الفور إلى الشارع أخشى عذابه لكنه تردد مجلجلاً في أعماقي . هرعت إلى الشارع الرئيس حيث يقف عماد عله يتوه مني هناك فظل كالضيف السمج لا يتزحزح . عماد يمارس برنامجه الذي لا يتغير لم أكن رأيته منذ هجرت غرفتي . حينما لمحني صاح بصوت جهوري لفت نظر الكثيرين :
أنت سامي ؟ .. غير معقول .. أصبحنا فوق .. (علمناكم الشحاتة سبقتونا عالبيبان)
ابتسمت بسمة ضحلة قصيرة وقلت :
كيف حالك يا عماد ؟
كما ترى .. دعك مني .. كيف حالك أنت ؟
لست على ما يرام .
لا تكن مرتداً ، لو فكرت ثانية في حياة الفلاحين لأصبحت مرتداً وكافراً بالحياة هنا .. أحذرك : لا تكن مرتداً .. من يفكر في كفر العبيط ، أو كفر أبو شنب ، أو عزبة النملة وهو في برلين ؟
وما نهاية ما أنا فيه ؟
أنت في الجنة يا بني ، في الجنة لا يسأل الإنسان هذا السؤال .. أنت تلميذي وأنا راض عنك ، فلا تخيب ظني فيك .
أية جنة ؟
بص لوجهك في المرآة ، ألم تر نفسك .. اين كنت من مظهرك هذا .. دنيا حظوظ ، وحظوظ الدنيا ! .. أسرع يا بني القشدة في انتظارك .. دنيا .
كسائر لقاءاتي معه كان اللقاء قصيراً وصاخباً . لم أسترح للقاء عماد . مازال السؤال المعذب يدور في رأسي ، لا أستطيع الوقوف أمامه ، فلأهيم في شوارع المدينة قليلاً أو كثيراً عله يذهب عني ، ليته يختفي إلى الأبد ، لم أجد في الشوارع ما كنت أجده فيها وكأنها أعطتني ظهرها تخفي عني بريق وجهها وثرائه .. ذعرت عندما خطر لي أن أزور صبحي .. على أية صورة ألقاه ؟ وماذا هو قائل ؟ لم أجد في نفسي أية رغبة للقاء صبحي فانزوى الخاطر على الفور كأن لم يكن .
عدت إلى عش دينا . وجهي يفصح عما بداخلي ، فسألتني على الفور عما بي . ادعيت أن لاشيء بي على الإطلاق ، هو الاجهاد لا أكثر ، فجرتني معها إلى المطبخ بدلال لم يحتفظ بتأثيره السابق .. نظرت إلى وجهي مرة أخرى ثم قالت ، لست متعباً يا سامي ، إني أفهمك ، أستطيع أن أقرأ وجهك بوضوح كما أن قلبي حدثني بما أنت فيه .. دعكِ من لغة القلوب يا دينا ، مهموم بكنه علاقتنا ومستقبلها . تركت ما بيدها ، وتوارد الدم إلى وجهها وقالت : علاقة حب ، أعظم علاقة في الدنيا ، ألسنا من أسعد الناس ، ماذا جرى ؟ .. ازداد توترها حينما سألتها : وماذا يقول مجتمعنا عن هذه العلاقة؟ .. سبَّت كل من يذكر هذه العلاقة بسوء .. لأول مرة أسمع من لسانها سباباً ، ثم كررت قولها أن العلاقة علاقة حب ، وأننا أسعد المخلوقات ، وشددت على ألا نكون أغبياء ، نهدم بأيدينا أجمل ما بنيناه ، ويمكن أن نبنيه ، وسالت كلماتها سيلاً : أن الحب قدر ، وأجمل الأقدار ، أن السعادة تنبع من داخلنا إذا تعهدناها بالرعاية لا يضيرها اجتماع العالم كله عليها .. تركت كلماتها تفيض فلما توقفت سألتها :
كيف سنواجه مجتمعنا بهذه العلاقة ؟ ، فألقت في وجهي هذه الكلمة : نتزوج .. انتفضت بشدة كأني هوجمت على غرة ، وسرت كهرباء في جفوني ، وتلعثم لساني .. نتزوج .. نتزوج !! فرمقتني بنظرة حادة مقطبة جبيناً لم أره قبل مقطباً ، وما ظننت أن يمكنه التشكل هكذا وقالت : ألا أستحق هذا الشرف ، أنا التي لو ارادت لتزوجت كل يوم برجل له كيانه . قلت محاولاً امتصاص حدتها : هذا موضوع كبير وأنا مرهق الآن ، لنرجيء الحديث فيه إلى وقت آخر ، فارتفع صوتها متخلياً تماماً عن نعومته : لا ، لابد أن نحسم هذا الموضوع الآن .. تصنعت الغضب ، ورفعت صوتي أيضاً ، وتركت المطبخ إلى غرفة الصالون قائلاً : أنا متعب ، ولا أستطيع الكلام ، وحياتنا لم تنته ، لنناقش هذا الموضوع بعد .. تركتني تكمل طهيها ، لكني لم أسمع صوت غنائها ، وحل السكون الكئيب إلا صوت ارتطام أدواتها .
نتزوج ! .. تكون زوجتي على شاكلتك يا بنت الأفعى .. تكونين أماً لأطفالي .. تعيشين معي كأنك زوجة لا تستبقين شيئاً ، بلا أدنى شعور بالذنب ، بل بكل سعادة وتلقائية ، سحبتني إلى هنا وأنا كالحمل الوديع ، غازلتني كثيراً قبل أن أتفوه لك بجملة غزل واحدة ، وما كنت لأجرؤ .. ترى كم مارست هذه اللعبة القذرة قبلي ؟ .. أنت شيطانة مريدة ، عميقة الأغوار ، تصل إلى هدفها من أقصر طريق ، وبالضربة الأولى .
إن كنتِ شيطانة ، فهل أنا ملاك ؟ .. شاركتك لعبتكِ القذرة ، وقاسمتك الحياة الآثمة ولم يتحرك لي ضمير ، ولم أشعر بذنب .. ربما كنت أكثر منك جرماً أنا الذي كنت أحرص الناس على صلواتي الخمس ، وأغوص في فهم ديني ، وجالست الشيخ الكبير ، وغيره ، وتناسيت ماضياً بطول عمري إلى أن التقيتك .. ألست إذاً أكثر منك جرماً ؟!
نعم أخطأت ، بل أجرمت . يومان كاملان كانا أمامي قبل أن أساق إلى هنا كحيوان أليف لجأت خلالهما إلى صبحي فنصحني بالفرار كمن يفر من أسد ، ثم إلى عماد لعنة الله على كل عماد .. وماذا بعد ؟ .. أسلمت قيادي ، وغيبت ضميري ، وبصقت على حياتي السالفة كاملة ، ونسيت ما جئت إليه أنفق كل ما أكسبه ، وأحتاج المزيد ، وبدأت أكره العمل ، ومكان العمل ، تتراكم الثلوج بيني وبين صاحبه .
لم تضع تلك الشيطانة مسدساً في رأسي لتأسرني هنا ، ولم تأخذني قسراً للحظتها .. يومان كاملان شاهدا اثبات عليَّ ، لا يجب أن ألوم إلا نفسي ، وإلا سأصبح زكي آخر ، يبحث عن ركن نتن في شقة عفنة يعتصر شمطاء فقدت عصارتها ، تلقي إليه بفتات مالها ، وزبالة أنوثة ملفوظة !
تمالكت نفسي وأخذت القرار .. وقفت على الفور وأسرعت إلى الباب تاركاً ما ورائي لا أبغي منه شيئاً .. لا أدري إن كنت قد سمعت صوتاً للحرباء أم لم أسمع .. توجهت إلى غرفتي ، حمدت الله أنها مازالت في حوزتي وقد كنت أفكر في تركها .. دخلتها كأنها وطني !
أخذت نفساً عميقاً ، وشعرت بالحرية ، وأحسست أن عبئاً هائلاً تبخر عن صدري ، وأن تلك الغرفة المتواضعة أفضل بكثير من الشقة الفخمة .. عادت خصوصيتي المفقودة ، أجوب أعماقي ، أغمضت عيني فنمت طويلاً . صحوت من نومي ، توضأت ، ووقفت لأصلي والخجل ينكس رأسي .. استغفرت ربي الغفور كثيراً ، ودعوته خالص الدعاء أن يقبل توبتي ، ويثبت إيماني .. أمسكت بالقرآن الكريم ، أقرأ بعض آياته .. أستجدي دموعي علها تغسلني .. لا أدري لماذا تحجرت .
نظرت إلى صورتي التي أصبحت عليها .. كم كرهتها وتمنيت من كل قلبي أن تعود صورتي قبل لقائي بدينا ، أبدو شاباً أرعن يعيش لذاته ولذاته . عزمت على تغيير تلك الصورة . على تغيير تسريحة شعري ، وشكل ملابسي ، أن أعود للتفكير في غدي ، وأمامي ما أهدف إليه .