الفصل 11

9 0 00

بقوة دفع خارجة عن إرادتي ذهبت إلى الموعد .. كانت سعادتي منقوصة لتفكيري المتنامي في كنه هذه العلاقة الطارئة .. قال عقلي كلمته وانزوى .. قوة جاذبيتها كانت صاحبة الكلمة .

رأتني أنتظر لحظة خروجها فابتسمت بسحر لايقاوم ، أقبلت مسرعة ومدت يدها ، سلمت بحميمية وقبلتني ، خجلت وكأني في شارع من شوارع القاهرة أو المنصورة .. تذكرت أني في برلين لا يلفت هذا نظر أحد ولو مضغت شفتاي ، أو كسرت ضلوعها احتضاناً .. تأبطت ذراعي بتلقائية ، وسرنا على الفور سير العشاق ، الكتف يلامس الكتف ، والذراعان في عناق .. تهت في الدنيا الجديدة ، وتسارعت دقات قلبي البكر .. أول مرة تتأبط ذراعي امرأة ، وفي الشارع ، سرت قلقاً من الوضع الطاريء أنظر إلى الناس علِّي أجد في عيونهم شيئاً ، بالطبع لم أجد .. بعد دقائق عديدة اطمأن قلبي ، فحاولت أن أحلل عقدة لساني :

كيف حالك ؟

أمشي مع حبيبي فكيف يكون حالي ؟

أنا حبيبك ؟!

(يا ريت فيه كلمة أكتر من حبيبي)

غنتها على طريقة أم كلثوم ، وأردفت:

أنا الآن أسعد انسانة في الوجود .

بهذه السرعة ؟!

أحببتك قبل أن أكلمك حرفاً واحداً ، دق قلبي بعنف حينما رأيتك قائلاً هذا حبيبي ..

ماذا تفعل بي هذه المرأة ؟ .. هلى تركت من الفتنة شيئاً ، حتى صوتها جميل كوجهها ، دلالها بلا نظير .. أيحتمل قلبي كل هذه الفتنة الطاغية والمقتحمة ؟

انتحينا إلى مقهى ، وجلسنا وجهاً إلى وجه ، تمسك بيدي ، وعيناها في عيني لا يخفض لها جغن ، تتعثر عيناي أمام التيار الدافق ، تقرب وجه الجمال من وجهي ، تلفحني أنفاسها .. جف ريقي ، وتجمد لساني ، فقالت كأنها تنتشلني :

لم تقل لي بعد أحبك .

أحبك ، أحبك .

قلتها مرتعشاً كأني أخشى أن يسمعني أحد .

أخيراً .. الحمد لله .. أتعبتني !

أحبك .. أحبك .

سأقنع نفسي أنك صادق ، حتى لو لم تكن تحبني .. ماذا أفعل ؟ .. أحببتك !

حاولت أن أجاريها .. نمقت بعض الجمل بعد عناء فما لي خبرة بمثل هذه اللقاءات .. جملها حاضرة ، وسلسة ، وعذبة .. بدت كأنها الصياد وأنا الفريسة .. لا يصح .. لابد أن أتقمص دور الصياد ، أجهدت نفسي فحققت بعض النجاح وإن لم يك مقنعاً .. مر الوقت سريعاً .. أعربت أنها لابد أن تذهب على التو إلى مسكنها ، تتمنى أن تقضي عمرها كله معي ، والعمر لايكفي .. حاولت أن تدفع الحساب فأقسمت ألا تدفع .. خرجنا تأبطت ذراعي وسرنا تتدفق من فمها الجميل عبارات الهيام .. لم يكن مسكنها بعيداً عن المقهى .. أشارت إلى شقتها .. وقفنا أمام المبنى ، طال وقوفنا بعض الوقت ، صامتة طيلة وقوفنا كأنها تفكر وتطيل التفكير ، ثم تقدمت وطبعت قبلة على شفتي .. سلمت بحرارة وقالت :

أراك بعد الغد ، في نفس الوقت ، ونفس المكان .

لم تنتظر ردي ، وهرعت إلى المبنى كمن تخشى شيئاً .. لصقت بمكاني حتى اختفت عن عيني .

لا أعرف كيف وصلت إلى مسكني .. انقلبت حياتي رأساً على عقب .. ازدحمت رأسي بالأفكار المتصارعة .. صليت صلاة مشوشة ، وصنعت كوباً من الشاي ، وجلست أفكر فيما يجري .. ما استطعت أن أمسك بفكرة .. اختلطت الأفكار تدور كلها معاً بسرعة رهيبة لا يحتملها رأسي .. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة .. قمت ثانية إلى الصلاة ، ما استطعت أن أتخلص من فوران رأسي ، وأحسست أن الله سبحانه غير راض عني ، وأن صلاتي لم تكن خالصة ، وأن ذنبي عظيم فقد لامست امرأة أجنبية ، وجالستها ، ونهلت من جمال وجهها ، وقبلتني .. خجلت من نفسي وأنا أدعو الله أن يتوب عليّ ، فقد علمنا الشيخ مليجي أن شرط قبول التوبة الأول هو الاقلاع عن الذنب ، ودينا هي ذنبي فهل أستطيع الاقلاع عنه ؟ .. سؤال معذب وقفت أمامه كثيراً ، كأنه صخرة عظيمة اعترضت طريقي لا أستطيع زحزحتها .. ظل السؤال عنيداً لساعات حتى تركته بلا اجابة .. وماذا بعد ؟ .. سؤال معذب آخر لم يكن أكثر حظاً من سابقه .. نمت نوماً قلقاً بعد أن هدني التفكير العقيم ، وأصبحت متعباً ، والصداع يدك رأسي دكاً .. ذهبت إلى العمل ولا رغبة لي فيه .. يبدو أن الاجهاد كان مرتسماً على وجهي ، فقد ظن صاحب العمل أني مريض . أظهر شفقته ، ونصحني أن أعود لمسكني لأستريح إذ يمكنه إحلال طاه آخر لهذا اليوم .. شكرته ، وتحاملت على نفسي حتى انتهى عملي بعد عناء شديد .. بعد خروجي من العمل توجهت إلى درس صبحي لا رغبة في سماع درسه ، إذ لا قدرة لي اليوم على الاستيعاب ، ولكن لأستشيره في الأمر .. لا ليست استشارة فرده متوقع تماماً .. بل أحتاج يده تجذب يدي إليه ، أحتاجه إلى جانبي أستمد منه روح المقاومة ، أحتاج إلى صحبته في وقت عزت فيه الصحبة .

حضرت درسه كأني ثمل لا يعي ما يسمع ، ولا يدرك ما يرى .. طال انتظاري وكأن وقت درسه لا يمر .. انفردت به وشرحت له الأمر ، فانتفض واحمر وجهه ، وانطلقت نصائحه كسيل عرم :

يا بني فر منها كما تفر من الأسد ، ولا تنظر خلفك ، لا تنتظر لحظة ، كل لحظة تمر تعقد الأمور .. لست منها ، وليست منك ، مثلها لا يقيم بيتاً ، ولا يربي أولاداً ، ولا يعرف الجد ، ولا يفكر أصلاً في إقامة أسرة بالمعنى الذي نريد ، أغلب الظن أنها تريد اللهو معك والعبث .. أتوسم فيك الخير وأنك غير لاه ولا عابث .. ربما كان هذا أول اختبار حقيقي لمدى إيمانك ، يجب أن تجتازه بنجاح . أعرف كثيرين تعرضوا لما تعرضت إليه ، ولجأوا إليَّ كما لجأت ، أكثرهم ضاع وتاه ، للأسف ضاعت منهم دنياهم قبل دينهم ، أرثي كما يرثى الناس لحالهم ، وقليل من نجى الله أدعو الله أن تكون منهم .. أعرف أنك في موقف صعب ، وأزمة حقيقية .. من قال أن طريق الجنة سهل ممهد فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات" . الحياة سلسلة من الاختبارات الصعبة لا يجتازها إلا أصحاب الإرادة ، ثق في ربك ، وفي نفسك ، كن حازماً ، ولا تتردد .

تركت الرجل وأنا أكبر هماً ، وأثقل حزناً ، قابلته وأنا في مفترق الطرق ، وتركته ومازلت في مكاني لا ألوي على شيء ، وقد تعطلت ملكاتي ، وشل تفكيري ، وتبخرت القوة من أوصالي ، وضاقت دنياي . آثرت ألا أذهب إلى غرفتي ، أخشى الانفراد بنفسي .. قادتني قدماي إلى عماد لا أدري لماذا .. فشتان ما بين صبحي وعماد .. شتان ما بيني وعماد ، لكني ذهبت إليه ، وشرعت أحكي حكايتي بينما عينا عماد تجوسان في الخلق ، لا تستقران على شيء ، وتنطلق مداعباته لهذه وتلك .. تضايقت وكففت عن الكلام .. سألني لماذا أتوقف ؟ .. إنه يسمعني ، يسمعني جيداً .. هذه طريقته .. انتهت حكايتي فابتسم عماد ابتسامة عريضة وهزني فرحاً كأني أحرزت نصراً :

وصلت للجنة يا صاحبي بضربة حظ واحدة .. دنيا حظوظ ! .. أعرف دينا ، امرأة كالقشدة ، تحتاج إلى خدمة شاقة .. أرجو أن ترفع رؤسنا .

لم تسمعني جيداً يا عماد .. جئت إليك لتنصحني .. أتسخر مني ؟!

هذه المرأة فرصة كبيرة .. امرأة مجربة ستسقيك الشهد كله .

لم تفهمني ! .. المسألة حب ، يعني زواج وأسرة .

مازلت فلاحاً يا صديقي .. حب ، يجوز زواج وأسرة ، من قال لك أنها تريد تريد الزواج وبناء أسرة ، لا تكن فلاحاً وافهم المجتمع الذي تعيش فيه .. المسألة أسبوع ، شهر ، سنة على الأكثر ثم البحث عن عش آخر .

أنا لا أريد ذلك .

وماذا تريد يا روح أمك .. افهم ، لا تك فلاحاً ، وأريد ألا تعود إلى بلدك فلاحاً .. اذهب اليها ، واشرب كأسين معها ، ستحل الخمر كل مشاكلك .

لم أجد رغبة في مواصلة الحديث معه ، إنه يتكلم من موقع آخر ، لا يفهم ما بداخلي ، ولا يدخل في حساباته أيامي السالفة .. انسحبت من أمامه بينما عيناه تتابعان موجات الفتنة ، ولسانه يعابث .. ذهبت إلى غرفتي كسيفاً . ارتميت على سريري بملابس كاملة أعيد التفكير !