كظمت غيظي بشق النفس ، أكاد أنفجر ، بالأمس فقط لم يكن هذا يضايقني ، وربما لا يلفت انتباهي : طقس يومي تمارسه دينا ، وهي سعيدة ، وتغني أحياناً ، وتنتهي راضية ، وقد تطري جمالها بصوت مسموع أكثر من ساعة تجلس أمام المرآة ،ـ وبيدها الخبيرة تضيف مستحضرات التجميل إلى الوجه الجميل فيزداد تألقاً وجمالاً .. تتأنق ، وتتعطر ، ثم تخرج على أبهى صورة ، فتنة مجسدة ، غواية تتحرك .. ترى كم عين ستشرب من هذه الروعة ، وتأكل ، وكم قلب سيهتز ، وكم من أنف سيستنشق هذا العطر الفواح ؟ .. زوجتي ستخرج تعرض فتنتها على الجماهير !
كدت أبدي اعتراضي على (مكياجها) المتقن ، وعلى ملابسها التي تخفي وتظهر بحسابات دقيقة .
ألم يكن هذا ما تفعله كل يوم وطيلة ما يقرب من عام ؟ ألم أكن أطلق عبارات الثناء على جمالها وحسن ذوقها وحرفيتها وإلى الأمس ؟
هي الآن زوجتي ، من حقي وحدي ، ليس من حق أحد آخر أن يلمسها لمساً أو تتمتع بملامحها عيناه .. خرجت وتركتني تعذبني الهواجس والتخيلات : لابد أن جمالها الملفت تمتصه العيون .. ربما يتابعها مجنونها الأرعن تستقبل حواسه كل حركة ، كل لفتة ، كل قسماتها ، من بعيد .. والذئاب بحبائلهم الماكرة ، أليس خروجها على صورتها دعوة ضمنية ليطاردها هؤلاء ؟ .. ربما سبق لاحدهم افتراسها قبل أن تعرفني ، وما يدريني ، ربما بعد أن عرفتني .
آه .. هربت من الرمضاء إلى النار .. لماذا ابتلعت كلماتي ، نيراناً تحرق أحشائي ، وتركتها تخرج على ما هي عليه؟ أعرف طقوس خروجها ، كان يجب أن أتفاهم معها ليلاً قبل أن يشرق الصباح عن يوم عمل جديد ، لكن أيجدر أن أخضع هذا الأمر للمناقشة منذ أول يوم للزواج ، أم أحتاج إلى خطة صبورة قد يطول أجلها ، وربما لا تأتي أكلها ؟
أدرك أنها لا ترى فرقاً من أي نوع بين حياتي معها قبل وبعد الزواج ، وأن أسلوب الحياة الغربية متسرب إلى نخاعها ، إلى عقلها ، وقلبها ، وكل خلية في جسدها ، وأن محاولة لتغييرها ، أو جذبها إلى المنطقة التي أريد لابد أن تجري تدريجياً وبمنتهى الحذق والحذر ، وإلا فستكون النتائج مأساوية .
أحتاج إلى جلد الأنبياء ، وحكمتهم ، ورقة قلوبهم [ ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ] صدق الله العظيم ، وأنِّى لي ؟
وجدت أن أروض نفسي أولاً ، محاولاً السيطرة عليها حتى أتمكن من الامساك بكل الخيوط المتصلة بدينا ، وجذب الخيط المناسب ، في الوقت الأنسب : هذه دينا التي عشت معها طوال هذه المدة ، ليطل عيشي معها كما كنا شهراً آخر أو أكثر فماذا يضير ؟ .. لتطل هذه المدة البينية أو تقصر ، لا يهم الأهم أن تكون النتيجة إيجابية .
ومالي في عجلة من أمري !
مضطرباً قمت أزرع الغرفة جيئة وذهابا ، كأني أسمع وقع كعبها العالي يعلو معلناً أن انظروا هذه الجميلة تسير بدلال ، امسحوا بعيونكم كل تفاصيل جسدها ، ومتعوا أنوفكم بعطرها ، ولتطربوا لايقاع قدميها ، انظروا وأعيدوا النظر .. زوجتي خرجت تدغدغ حواس الجماهير !
لم تسعني غرفتي ، وخرجت إلى الشارع .. الشارع متخم بألف دينا ودينا .. مئات الكعوب العالية تدق الأرض والعطور الفواحة تنطلق في كل مكان ، والناس كل في طريق . لم أجد متسكعاً تلسع تعليقاته أذن أنثى ولا أعين فاجرة تلتهم ملامح جميلة ، ولا عبارات جامحة تطري الجمال العابر ، ولا محاولات آثمة للمس تضاريس أنثوية فائرة .
لو أن أقل السائرات هنا جمالاً سارت في أحد شوارع المنصورة لاضطرب الشارع وانطلقت العبارات تجرح بسنان نافذة من السيارات ، من الجالسين على المقاهي ، من المشاة ، وراكبي الدراجات ، وألف محاولة لمس أجزائها ، وربما قرصها ، ولتابع سيرها المتسكعون ينثرون فجاجاتهم بغير حساب.
هدأت نفسي قليلاً .. يبدو أنني فعلاً لم أفهم المجتمع الذي أعيش فيه ، ربما كان لعماد بعض الحق ، ولدينا أيضاً وهما يشيران لي من قريب أو بعيد أن أفهم المجتمع الجديد .
من المرات القليلة التي سرت فيها مع عماد في الشارع الرئيس ، رأينا أحد الوافدين الجدد من قاهرتنا يصب صفيره مطارداً إحدى الفاتنات ، لم يك يعرف كلمة ألمانية واحدة ، فلما ضاقت به التفتت إليه قائلة بحدة :
غباء ! .. الصفير للكلاب !
يومها أمسكه عماد من ذراعه برفق ، وأوضح له ما قالت ، وشرح له أن الأمر مختلف هنا ، وأنه لو أراد التعرف على واحدة فهناك الأماكن التي يمكنه التعرف فيها على النساء : المقاهي ، المراقص ، البارات وغيرها ، وأن الأمر ليس صعباً إذا فهم المجتمع الجديد .
وانسابت كلمات عماد : يأتي بعض شبابنا إلى أوروبا وفي ظنهم أن بنات أوروبا في انتظار فرسان الشرق على أحر من الجمر .. سيذبن كالزبد أمام النظرات الشرقية ، وستنهال عليهن أحضانهن وقبلاتهن ، ثم إلى غرف النوم .
مازال أحد أصحابي القدامى يخجل من هذه الحكاية رغم مرور السنوات الطوال . سار خلف إحدى الجميلات وعبر لها عن هيامه بها على طريقتنا .. قال لها ما معناه : عطشان يا صبايا .
بالصدفة كانت بيد الفتاة احدى علب الكوكاكولا تشرب منها .. ببراءة شديدة التفتت إليه وقالت :
يمكنك أن تشرب ما تبقى من هذه .. يمكنني أن أشتري لك واحدة !
ليت كل واحد من بلادنا يقرأ عن البلد المضيف .. الأوروبيون يقرأون ويحاولون معرفة كل ما يمكنهم قبل أن يخطوا الواحد منهم خطوة واحدة إلى البلد الذي يريد زيارته .
كأنك تسقط القول عليَّ يا عماد فقد جئت إلى هنا قبل أن أعرف شيئاً عن هذه البلاد ، أو أتعلم لغتها ، ألقيت بنفسي إلى التيار يقذف بي حيث يشاء .. مازلت أحمل قريتي بكاملها في أعماقي ، مازلت أحكم ثقافتها وأعرافها ، عاداتها ، وتقاليدها ، كأني أحاول أن أعين قريتي حاكماً على برلين !!
هل يمكن أن تكون دينا أكثر مني فهماً ، وكذلك عماد ، وذلك الطاووس المتعجرف صاحب (الفيلا) ؟ أجدهم جميعاً أكثر مني اقبالاً على الحياة ، ينهلون ما شاءوا من متعها ، ويرغبون في المزيد ، تتسق أنفسهم والواقع الجديد .. أنا أيضلً أنهل من متع هذه الحياة ، وقد أرغب في المزيد لكن نفسي لا تتسق وهذا الواقع .. ماذا فعل عدم الاتساق هذا إذاً غير تعذيبي؟!
ماذا لو أطلقت العنان لنفسي ، وتعايشت بسلام كامل مع هذا المجتمع ، وانفتحت بكاملي عليه ، وثبَّت جذوري في الأرض الجديدة ، وتفتحت أزاهيري ؟
إذا كانت الشوارع لا تتوقف لدينا ، ولا يسيل لعاب المارة لرؤيتها كما كنت أظن ، فالشوارع مليئة بزهور الددنيا على أشكالها ، إذاً يمكنني الصبر إلى أن أجد الفرصة المناسبة لأوضح لدينا ما أريد .
الآن أستمتع بدينا ، وأستطيع الصلاة .. هدأ ضميري الذي عذبني كثيراً .. تبدو الأجواء بيننا صافية إلا من إشارات لماضيها تظهر في أفقي على فترات فتعكر الصفو ويضيق الصدر ، لكني كنت أطردها سريعاً .
انجرفت بشدة إلى تيار الدين ، أصلي الفروض والنوافل ، وأكثر من قراءة القرآن ، وأتعمد اهمال لحيتي لأيام ، أحاول جذب دينا ، وهي تسوف وتصفني بالمتعجل .. تضيق أحياناً بمحاولاتي وتكظم غيظاً تفضحه ملامحها .. عزفت عن الشراب وطلبت منها بما يشبه الأمر عدم الشرب .. توسلت بدلال أن نشرب فقط في نهاية الأسبوع ، ومن يدري ربما ندع الخمر نهائياً بعد ذلك .. ولماذا نشرب في نهاية الاسبوع ؟ قالت : تركت الشرب ستة أيام لأجلك ، فدع لنا اليوم السابع .
ترك الشرب ليس من أجلي ، هذا ما أمر به الله .
الله غفور رحيم .. قال لي بعض الألمان : إلهكم يعذب ، ويقذف بالمذنبين منكم إلى النار ، أما إلهنا فقد تحمل عنا كل عذاب ، وقد سمعت من أحد العرب أنه ليس في القرآن ما يحرم الخمر تحريماً قاطعاً . أؤمن أن الله غفور رحيم .. ماذا يفعل بعذابنا ؟
يا دينا ما لنا والعقائد المخالفة ، للناس دينهم ولنا ديننا .. الخمر أم الخبائث .. السنة النبوية لا يكمل الإيمان إلا باتباعها ، وقد حرم الرسول صلى الله عليه وسلم الخمر ، ولعن شاربها ، وحاملها ، وبائعها ومجلسها .
ربنا غفور رحيم ، ألست تقول ذلك دوماً ، تركنا من أجله الشرب لستة أيام في الأسبوع لابد أنه سيغفر لنا الشرب في اليوم السابع . ثم إن المسائل لا تحل هكذا دفعة واحدة .
لا يمكن .. وإذا حدث فلتشربي وحدك وسأكون غاضباً عليكِ .
فتحت صنابير دلالها أكثر ، وأكثر وقالت : شرحت لك قبل ذلك أنه لا يمكن أن أشرب وحدي ، وتعرف السبب ، معاً نشرب من أجل حبنا ، لننعم بسعادة أكبر نتوه معاً فيها .. الأيام تأتي دائماً بالعجائب فقد يأتي اليوم الذي أتحجب فيه .. من يدري ؟ ، أما الآن فلا تقسو عليَّ أكثر .
سكت على مضض ، أفكر كيف سأشرب معها في يوم شربها ، وكيف أصلي في هذا اليوم ؟!