الفصل 3

11 0 00

من تدانيك جمالاً يا دينا في قريتي كلها على اتساعها ؟

كثيراً ما أضيق بالقرية كلها ، ويلفني القلق لفاً ، فأخرج إلى الحقول الخضراء محاولاً استرجاع ما بيني وبينها .

أتفقد أشجاراً بعينها ، وجداول ماء .. ماء ، وخضرة ، ينقصها وجهك الحسن يا نيا ، فتكتمل الصورة .

أتخيلك معي وسط هذه الروعة فيهيم القلب ، ويثور الخيال ، ثم أصطدم بالواقع الصلب فأفيق ، ويتمكن الضيق ، فأغادر المكان والقرية كلها ذاهباً بلا هدف محدد إلى مدينة المنصورة .. أتجول شريداً في شارعها الرئيس الشهير ، أريد الخروج من حالتي .. مئات الوجوه لحسناوات مثيلاتهن كن يزلزلن قلبي ، ما بالهن اليوم لا يحركن في نفسي شيئاً ؟

كأنك استأثرت بالجمال يا دينا رغماً عن نساء مدينة اشتهرت بجمال قواريرها بين المدن المصرية .. يأخذني وجه من الوجوه الفاتنة فأجد في القوام ما يعيب .. يتصادف أن أرى من هي جميلة الوجه والقد ، لكن تنقصها اشعاعات وجهك الحلو .

المقارنات دائماً في صالحك يا دينا .. أصابني زلزالك وها هي توابعه :

قلق معذب ، لا تجد قدماي أرضاً ثابتة ، وأفكاري تذهب كل مذهب ، لا تستقر ، ولا أجني منها غير صداع عنيد ، يدك رأسي دكاً ، وأمنيات هشة أن أجد من تملأ الفراغات الشاسعة لافتقادك .

أخشى أن تعيش ذكراك ما حييت فتحيل حياتي إلى جحيم فوق قدرتي احتماله .. ليتني استطيع أن أمحوك كلية من ذاكرتي .. ليت كل لحظة قضيتها معك ما كانت ، أيتها الشيطانة الجميلة .

كأني ألتمس لك الأعذار يا دينا !

ها هو حسن أحد معارفي ، أظنه من أسعد الأزواج ، تركته قبل سفري سعيداً ، وما زال إلى الآن . أعطته زوجته كل شيء قبل زواجه بها ، لم تستبق شيئاً ، وتناقلت ذلك الألسنة ، واستقبلته معظم الآذان ، وزادت وأعادت فيما دار بينهما وأضافت من الخيال . تعددت اللقاءات بينهما قبل الزواج ، تحت أستار الظلام الذي كان يغرق ليال قرية بلا كهرباء .. تم ضبطهما أكثر من مرة ، وأشبعا ضرباً ولعنات . أبوها المسن الضعيف المريض لا حول له ولا قوة ، ولم تكن له عائلة تنوب عنه فهو جديد على القرية لا تعرف له جذور ، وأمها في حياد عجيب ، ومريب !

تزوجها حسن بعد تلك المغامرات ، وبعد معارك طويلة مع كل فرد في أسرته ، كم كان سعيداً ليلة زفافه رغم أحاديث النميمة وسخرية الساخرين .

أيامهما معاً وقد تجاوزت عقداً كاملاً خالية تماماً مما يعكر الصفو ، هذا ما كان بادياً لكل رقيب وفضولي ، ولغيره من قاطني قريتنا .

ترك لها الحبل على الغارب ، تذهب أينما تذهب ، تغيب كما يحلو لها ، تعابث هذا ، تصادق تلك ، كأنه يعشق تفاعلها مع الحياة والأحداث ، وكأنه يودع فيها الثقة كاملة غير منقوصة !

أوقفتني مرة وسط الشارع ، في وضح النهار قبل سفري تمطرني بأسئلتها :

لماذا لم أتزوج؟ ألم أجد بعد من تملأ عيني ؟ هل أفقد الثقة في كل البنات ، أم أفقد الثقة في نفسي؟! .. أسئلة وأسئلة تنساب بسلاسة ، وذهن رائق ، ومزاج صافٍ ، وتعلو ضحكاتها ، مر بنا حسن ، وتركنا على ما نحن عليه ، كل ما قاله:

أنا جائع لا تغيبي كثيراً !

من أية عجينة خلقت يا حسن ؟! .. لم تعرف قريتنا منذ الأزل مثلك على ما أظن ، تعامل زوجتك كأنك أوروبي رغم أنك لم تتجاوز حدود القرية إلا لمدينة المنصورة ، وللضرورة القصوى .

أهي الثقة المفرطة بنفسك أولاً ثم بزوجتك ، والناس ؟ أم أنه فهم لطبيعة المرأة لم أصل إليه بعد ، ولن أصل ، أم أنها بلادة بلا مثيل سابق ، كأنك خنزير لا يغار على أنثاه ؟ لو أني عاملتك يا دينا مثلما يعامل حسن زوجته لعشنا معاً ما حيينا أسعد الأزواج ، أسعدهم على الإطلاق ، لكن أنى لي بقوة حسن إن سمي هذا قوة ، أو ضعفه إن سمي هذا ضعفاً؟!

على أية حال لا يروق لي مثال حسن ، وإن كنت أغبطه على هذه السعادة التي لا تخفى على أحد .

أهي جنة العبيط يا حسن ؟!

**********

كفت ألسنة الناس عن سلخ حسن وزوجته ، لم يذكر أحد أنها ضلت سبيله إلى رجل آخر ، وتقبلتهما القرية زوجين ككل الأزواج ، وبهتت ذاكرة القرية بما حدث بينهما قبل الزواج .

أيروقني هذا المثال ؟

علم القاصي والداني سلوك الزوجة المعيب ، لكن زوجها كان يهيم في واد أخضر .. كانت تصب عليه الحنان صباً بعد كل خيانة زوجية لها ، ربما كنوع من التعويض ، أو بدافع بقية من ضمير إن كانت ثمة بقية . يبدو لنا كطفل سعيد مدلل بلغ من العمر أربعين ، تفيض عيناه بالبشر ويرتفع صوته بمواويل الغناء في حقله المجاور للترعة ، لم يكن آخر من يعلم ، لكنه كان الوحيد الذي يعلم .

ماذا لو كنتِ في ذكاء تلك الخائنة يا دينا ؟ .. كنت سأهيم في ذات الواد الأخضر ، أردد أغنيات العشق والهيام ، لا أعرف للغيرة جحيماً ، أنام ملء جفوني تهدهدني الأحلام المخملية ، وتطير بي على أجنحة الفرحة .

حمداً لله أن لم أكن ذلك الرجل .

***************

أطفال كثر ، تبكي هذه ، ويصرخ ذاك ، هذا تبلل سرواله ، وتلك تفوح منها رائحة الافرازات العفنة .. خمسة أطفال صغار كأنهم فقس ليلة واحدة ، تركتهم له الأم ليوم وليلة ليضرب كل الأخماس في كل الأسداس ، فذهب إلى الأم يرجوها مر الرجاء أن تعود إلى البيت ، وكأنه يعدها أن يتركها تفعل ما تشاء!

علاقتها بصديقه أزكمت كل الأنوف .. الصديق إن صحت التسمية كان يجوس داره ليلاً أو نهاراً ، في وجوده أو غيابه .. ثار الناس ، وثار الزوج فطرد من يسمى صديقه ، وأشبع زوجته ضرباً ثم طردها .. الناس كانوا قد أكلوا وجهه أكلاً وصارحه أخ له بلا مواربة بما يشاع عن زوجته ، ومن يسمى بالصديق .

ربما أكره الزوج على أن يصدق زوجته ، وأكره أيضاً أن تستمر علاقته بصديقه . يرى الزوج شارداً ، حزيناً ، منكسراً ، يأكله الاكتئاب ، منسحباً إلى داخل جلده بعيداً عن الحياة والأحياء .

ما فعلت معي يا دينا ، مثل ما فعلت تلك الخائنة التي مازالت زوجته .

ألعن ذلك الزوج وألعن زوجته ، والأطفال الذين عقفوا ذراعه ، وأعجب لما تأتي به الأيام !

********

ودارت عجلة الأيام بينهما رغم ما كان !

الألسنة التي طحنت سيرتها ألقت ما في الأفواه ، ولاذت ذاكرة الخلق عنهما ببعيد .

دخل صاحبنا إلى بيته متسللاً بعد أن سمع ما يريب فوجد جاره مهتاجاً كأنه يداعب عورته ، فر الجار هارباً كقرد ، لم يلحق به الزوج ، بينما كانت الزوجة نائمة أو متظاهرة بنوم .

كاد يقتل زوجته ضرباً بكل ما فيه ، يصرخ بأعلى صوته أنها عاهرة ، ابنة عاهرة .. تجمع الخلق ، وهمت أسرته بأسرة جاره ، وأيقن الناس أن دماءً ستسيل ، وأن القتل ليس ببعيد.

تدخل المخلصون بسرعة وإخلاص ، وعقدوا مجلساً فورياً للتحقيق .

أقسم الجار أنه سقط على بيت جاره ليسرق ، وأن ما رآه الزوج إن هو إلا محض أوهام وإرهاصات خيال .. أقسم وأعاد قسمه أمام الخلق على كتاب الله .

بعدها غادرت الزوجة بيت الزوجية لبضعة أشهر ، تدخل الخلق فعادت لتستمر الحياة .

ما ضبطت جاراً مهتاجاً في منزلك يا دينا ، لكني تركتك !

تستغرقني تلك الصور متتابعة ومثيلاتها ، وكأني ألتمس لدينا الأعذار ومن طرف خفي أدين نفسي ، ثقافتي الريفية ، وبنائي القروي ، كأني أحملها مسئولية هروبي من دينا ، وغربها ، لكني انتفضت واقفاً كأني أدافع عدواً وتوارد الدم إلى رأسي حاراً دفاقاً :

لا ، لا ، لست أنا السبب بل الشيطانة الناعمة العابثة ، النزقة التي لم تشرب ثقافة الشرق ، ولم تعرف من ثقافة الغرب غير القشور والفاسد فيها ، والعطن .. ليست لها هوية ، فلا هي شرقية ، ولا هي غربية ، ولا هي متوسط حسابي بين الثقافتين .

ولعنت الظروف التي ألقت بها في طريقي صخرة الصخور ، ولمت نفسي الأمارة بالسوء .

ضاق بي المكان ، والقرية ، فهرعت إلى الحقول ، لكني لم أتخيل دينا قادمة بين الماء والخضرة ، وما كانت أبداً مكملة الصورة الحلوة ، ودعوت الله مخلصاً أن تمسح من ذهني كل ذكرى لها حلوة كانت ، أو مريرة ، أن تخلص ذاكرتي تماماً من كل ما يشير إلى رحلتي إلى الغرب .

تمنيت أن أهب نصف عمري مقابل أن أعود ذلك الشاب الذي كان قبل تلك الرحلة القاسية .