رحم الله الشيخ مليجي إمام مسجدنا في قريتنا حياً كان أو ميتاً .. كم تعلقت بهذا الشيخ ، وتعلق به الناس .. يوم انتقاله من مسجدنا إلى بلدة أخرى لا أدري ما اسمها يوم لا يمكن نسيانه .. يوم فاضت فيه دموع الصغار قبل الكبار ، والرجال قبل النساء .. معه عرف نساء حينا الصلاة وكان يمكننا أن نعد المصليات منهن على أصابع اليد الواحدة ، وكأن الصلاة لم تفرض على النساء .. أكثر الرجال قبله كانوا في شغل عن الصلاة . استطاع الرجل أن يجذب الرجال ، كل الرجال على التقريب إلى المسجد ، حتى عمر المسجد عن آخره بزواره ، وأوشكت سهرات الحشيش على الزوال . انسابت أحاديث الرجل عذبة تمس شغاف القلوب ، وجه صبوح ولسان يقطر العسل . حكاياته ولا أروع تنقش المعنى المراد في النفس كالنقش الفرعوني .. كنا ننتظر درسه بعد صلاة العشاء وكلنا شوق .. يولينا كصغار كل اهتمام ، ويتحفنا بقطع من سكر النبات يمتليء بها جيبه العميق ، اشتراها من ماله الخاص . عشت صغيراً مع أحاديث الرجل في عوالم نورانية ساحرة العذوبة والجمال يصغر بجانبها كل شيء . كأن الخير إلا قليله قد ذهب بذهاب الرجل !
أغلى الأوقات في حياتي قضيتها أمام الشيخ .
سمعت كثيراً عن صبحي يلقي الدروس الدينية في مسجد ببرلين ليس عني ببعيد ، لعلي أجد فيه "مليجي" آخر ، أسعد بأحاديثه ، وأهيم بها في عالم الروحانيات الذي أعشق .. وسعيت إلى صبحي يشدني حنين قديم ، أتوق إليه .
رجل في سن الوقار ، خبر ألمانيا وثقافتها ، إذ يقيم فيها منذ أكثر من عشرين عاماً ، أكمل خلالها دراسة الماجستير ، وهو في المرحلة الأخيرة للدكتوراه ، يتكلم بسرعة كأن كلماته تتدفق من شلال ، ترافق كلماته حركات يشترك فيها جسمه كله على التقريب ، في صورة أشبه بالأداء المسرحي ، يرتفع صوته وينخفض ، يضغط على بعض الحروف ، يشدد على بعض الكلمات .. يقال أنه كان ممثلاً مسرحياً ، ما صرفه عن المسرح إلا هجرته إلى ألمانيا لاستكمال دراسة الكيمياء .
بهرني صبحي بآدائه المقنع ، وسعة أفقه وأسلوبه السلس ، واطلاعه على مشاكل المغتربين وسبر أغوارها ، ومنطقه التحليلي المتميز ، وحماسه الشديد لما يقدمه فضلاً عن مشاكل دراسته ، أخذتني روحه المتوثبة ، وإيمانه العميق بما يقوله ، وثقته المتجذرة في الثقافة الاسلامية ، والدين الحنيف . خرجت من المسجد إنساناً آخر .. حرصت بعدها ألا يفوتني حديثه ما أمكن ، فكان حديثه قد استقدم جزءاً عزيزاً من قريتي إلى برلين .
أتقدم في العمل ، في اللغة ، أقرأ القرآن وأصلي وأحضر الكثير من محاضرات صبحي تلهبني روحه الوقادة ، وتحمل إليّ عبقاً قديماً عشقته .. لا شك أن هذه السعادة التي أرفل فيها من دعاء الوالدين .
حين كنت واقفاً أمام السفارة الألمانية في غاية التوتر وسط حشد من طالبي تأشيرة دخول ألمانيا ، قرأ وجهي أحد المسنين الراغبين في العلاج بألمانيا ، فاقترب مني وبحنان أبوي قال : صدقني يا بني ولا تسخر مني .. قل يا بركة دعاء الوالدين ، قلها بإخلاص وستحصل بإذن الله تعالى على التأشيرة .
كدت أستخف بالرجل ، فالوقت كان عصيباً ، والضغط على أعصابي كان بالغ القسوة .. كنت على يقين أن الوطن قد أعطاني ظهره ، وأن أوروبا هي الباب الوحيد للهرب من ظروف تنهشني نهشاً ، لكني لمست الصدق في كل حرف نطق به الرجل ، وأيقنت بتعاطفه المخلص معي ، وقد ذهبت إلى السفارة مصحوباً بدعاء الوالدين .. هدأت نفسي قليلاً وظللت أردد ما نصحني به الرجل ، كلما أمعنت هدأت نفسي أكثر .
كأني قفزت إلى قارب النجاة هارباً من موت محقق حينما حصلت على التأشيرة ، كدت أعلن عن فرحتي صارخاً ، وبحثت عن الرجل بين الحشد لأحتضنه ، لكني لم أجده .... أشعر بالامتنان لهذا الرجل .
تفتحت كل مسامي لاستقبال روافد الحياة ، أجوب برلين الغربية في وقت راحتي شرقها وغربها ، شمالها وجنوبها ، حدائقها وميادينها ، أصطدم مرات ومرات بالسور الرهيب الذي يسجنها ، يحرمني من التجوال في ريف ألمانيا ، يقتلني الفضول لمعاينة هذا الريف ، أتوق للتجوال في الحقول المثمرة ، ورؤية الطيور والحيوانات الطليقة .. أشعر أن المجاري المائية والأشجار والنباتات والحيوانات في برلين سجينة في جزيرة رأسمالية يتربص بها محيط شيوعي . أن الأشجار مثقلة بأحزانها ، وأن المياه بينها دموع مدينة بكاملها ، وأن أصوات الطيور لم تكن شدواً ولا غناء .
حضرت الكثير من دروس صبحي حتى ألف وجهي ، وسبقني وتعرف عليّ . يسألني عن أحوالي كل مرة ويحضني على الاجتهاد في العمل والعبادة ، ونصحني أن أعمل دائماً على العودة السريعة للوطن على أن تكون العودة كريمة ، يعني أن أكون قد حققت كسباً مادياً يؤهلني لعمل مشروع مناسب .
أن أحدد أهدافي ، ولتكن أمام عيني لا تغيب .
ودعوت للرجل ، وتمنيت لو كانت لي ثقافته الدينية والدنيوية ، وأن أقوم بمثل ما يقوم به .
حاولت أن أعمق من ثقافتي الدينية فاستعرت كتباً من مكتبة صبحي ، وأكثرت من تلاوة القرآن ، أتعلم الكثير من أحكام التلاوة من دروس صبحي ، أقف أمام بعض الآيات فيقشعر بدني وتصفو نفسي .
كنت أعقد بعض المقارنات بين ثقافتنا وثقافة المجتمع الجديد فيطمئن قلبي ويزداد اعتزازي بديني وثقافتي .. يتسلل الأسى إلى نفسي عميقاً ، معجوناً بغيرة لا حد لها على بلدي حين أقارن بين ما أعرفه عن المؤسسات في المجتمع الجديد وما عانيته من إدارات وطني !
سعدت بكم التغيير الهائل بداخلي .. كيف تحولت بهذه السرعة من شاب أثقلته الهموم ، وهواجس اليأس حتى كادت تشله ، إلى هذا الإنسان الآمل ، المقبل على الحياة .. كان صدري يضيق بأنفاسي ، وها هو الآن يسع الكون كله .. كنت أضيق بيومي والآن أفكر في مستقبل عريض .. ألست أدين لهذا البلد المضيف بما حدث لي من تغير ؟!