الفصل 21

10 0 00

ويتوالى مرور الشهر تلو الآخر ، وأنا أتحين الفرصة لأعلم دينا الوضوء والصلاة .. الفرصة التي لا تأتي عن عمد لا تأتي .. يعود كلانا من العمل مرهقاً ، فنستريح قليلاً بشكل من الأشكال ، ثم تدخل هي إلى مطبخها ، وأفرغ إلى صلاتي ، نتناول عشاءنا ، ونشرب شاينا أو قهوتنا أمام الجهاز السحري الذي لا تنقضي عجائبه : من فيلم إلى برنامج ، إلى أغنية ، والتليفزيون طوع بنانها .. محدثة لبقة ، تلتقط الطرائف وتجيد عرضها ، وتعرف كيف تدير الوقت حسبما تريد حتى يحين موعد النوم .. عطلة نهاية الأسبوع محجوزة سلفاً لحبنا .. لاشك في ذكائها ، كما لا أشك في أنها تبعد بكل حذر عن استدراجها إلى حيز التدين .. تضيق بصلاتي ، وتقطع الوقت القليل الذي أستقطعه أحياناً لقراءة القرآن الكريم ، وتعلن عن استيائها إذا أهملت لحيتي .. قبل أن أنصحها نصحتني : شبابنا فرصة عمرنا ، زهرة حياتنا ، وعلينا اقتناص الفرصة حتى لا تضيع ، العمر ممتد أمامنا ، فرصة التدين قادمة فلماذا تتعجل .. من يذهب إلى الكنائس هنا غير المسنين ؟ .. الناس في هذا البلد يفهمون الحياة أكثر ، فهم لا يفرطون في ساعة واحدة من ساعات الشباب ، أكثر من عجوز هنا نصحتني بكل الحب أن أستمتع بالشباب ، وهن اللائي يعرفن معنى الشباب .. ماذا علينا إذا استمتعنا ما لم نضر أحداً . الحياة سخية تعطي لمن يطلبها لكنها تدير ظهرها لمن يرغب عنها .

أنا أؤمن بالله مثلما تؤمن تماماً ، واثقة أن الله الرحيم لن يعذبنا ما لم نظلم أحداً ، أكثر الألمان يؤمنون بوجود الله ويثقون في رحمته ، ويديرون حياتهم كما يشتهون .

هيا يا حبيبي لننعم معاً بسهرة سعيدة .. سأريك شعباً يعشق الحياة كما يعشقها الألمان لكن على طريقته الخاصة .. يسيرون حياتهم على ما يشتهون ، ينهلون من متعها نهلاً .. سترى ما يلبسون ، وكيف ينفقون .. السعادة ناطقة على وجوههم .. حقاً إنهم يفهمون الحياة .. حفل زواج لبناني . سترى كيف نحتفل بأفراحنا .. هناك أحدث الأزياء وأغلى المجوهرات ، الرقص ، والغناء ،المأكولات والمشروبات .

تعللت بأني متعب ، ولست في حالة مزاجية مناسبة .. جذبتني من يدي وكلها إشراق ، تود أن تخرجني من حالتي ، وأن أتعرف على شعبها ، ويتعرفون عليَّ ، وادعت أنها تريد أن تفخر بي ، وتزهو .. أي فخر وأي زهو ؟! .. وأنها لن تذهب إلا بصحبتي وأن الحفل فرصة لا يجب أن تضيع ، وأني سأدمن بعد أفراحهم ، وأتوق إليها .

قمت متكاسلاً ، ارتديت ما رأيته مناسباً ، وأسرفت هي في زينتها كأنها هي العروس ، وأنا أتفتق ولا أنطق بكلمة .. انتظرتني أن أثني على جمالها وذوقها ، وطال انتظارها فأعربت هي أني سأكون أسعد الناس حينما أدرك أنها أجمل زهرة في الحفل على ما فيه من الجميلات الفاتنات .. لم أنطق وتمنيت أن يؤجل الحفل ، أو يلغى .. أتوقع أن أعيناً ستتفحصني من قدمي إلى رأسي ، وأن أعيناً وقحة ستتفحص وتعيد كل ما فيها ، وأن همسات ستتداول عني وعنها .. توقعت أن أرى بشارة هناك فهدأت قليلاً .

سرت معها لا أستبشر خيراً ، بينما هي في غاية السعادة .. ركبنا مترو الأنفاق .. أخذتني الخواطر والهواجس والتخيلات حتى غيبتني ، أفقت من غيبوبتي هذه مروعاً : دينا تداعب كلباً تصحبه إحدى الراكبات وتترك يدها ليلعقها ، تربت باليد الأخرى على ظهر الكلب .. صرخت فيها صرخة عظيمة لفتت انتباه كل ركاب العربة أستنكر بشدة ما فعلت .. كم استاء مني ركاب العربة ، ووصفتني نظراتهم بالتخلف والهمجية .. قمت من مكاني وتحركت نحو باب العربة وقفت لا أدري ما أنا فاعل لحقت بي دينا ، ونظرات البراءة في عينيها ، تعاتبني هامسة ، وتسأل بدهشة عما حدث حتى أصرخ كاظمة غيظاً عنيفاً .. دفعت يدها التي لعقها الكلب عني .. بعناء شديد تحكمت في طبقة صوتي : أوتفعلين هذا دوماً يا دينا وتعدين الطعام بيد لعقها كلب .. لعاب كلب غطى يدك .. لعاب كلب !

قالت باستجداء : أرجوك اهدأ ، الناس يرقبوننا .. اطمئن هذه أول مرة يلعق كلب يدي .. الكلب حيوان جميل ، موجود في معظم البيوت ، أكثر الحيوانات حظوة عند الألمان ، لو كان لعابه خطراً ما اقتناه الألمان .

كدت أصرخ : مالي والألمان وغيرهم .. لعاب الكلب نجاسة مغلظة .

أرجوك اهدأ .. أنا آسفة .. دع الحديث حتى نغادر المترو .

التزمنا صمتاً مريباً .. ترى كم مرة لعق كلب يدها ثم تعاملت معي دون غسلها أو حتى بعد غسلها ؟ بالتأكيد هي كاذبة وليست المرة الأولى ، داعبت الكلب بيد مدربة وتفاعل معها الكلب على الفور ، وأبدت حباً للكلاب لا شك فيه .

تقلصت ملامحي ، وسرت إلى جانبها كتمثال متحرك .. تحاول بدأب استرضائي .. تكلمت كثيراً ، وداعبتني متحملة جفائي .. حمدت الله ثم قالت:

اليوم كنت سأفاجئك بمفاجأة ظننتها سعيدة : أوشكت على شراء كلب يملأ علينا حياتنا ، وعدلت في اللحظة الأخيرة .. أنت إنسان رقيق لا أتصور أن تكره الكلاب هذه الكراهية .

أنا لا أكره الكلاب ، ولا أحبها هي مخلوقات كسائر المخلوقات ، لكن أكره أن تشارك الناس بيوتهم يعلو لهاثهم فيها ليل نهار وتطغي رائحتهم على كل رائحة ، ويغطي لعابهم كل شيء .. مكان الكلاب ليس بيوتنا وفراشنا .. أرى تربيتهم أسوأ العادات ، أنفرمن كل من يقتني أو تقتني كلباً .. اشترى أحد أصدقائي سيارة مستعملة حاول بكل الطرق التخلص من رائحة كلب بائعها ولم ينجح فباعها .. بالإضافة إلى النجاسة المغلظة (باعتبارنا مسلمين) ، تنقل الكلاب إلى البشر أمراضاً عديدة .

ألا تدري كم يحب الألمان الكلاب ؟ .. لا يمكن أن يكون كل هذا الحب بلا دواعي .. قد يمرضون لمرض كلبهم ، يتألمون لألمه ، ينفقون على علاجه بسخاء ، يقصون شعره في صالونات خاصة بالكلاب ، كثيراً ما تدور أحاديثهم حول الكلاب ، وقد تعقد الصداقات من أجل الكلاب .

قلت بضيق بالغ :

أعرف كل هذا يا دينا .. لكل شعب عاداته ، ليست كل العادات بالضرورة صحيحة ، وحتى إن كانت صحيحة فقد تصلح لشعب دون شعب .. أنت لا تأكلين الخنزير يا دينا ، وتعرفين مدى ولع الألمان وغيرهم بلحم الخنزير ومنتجاته .

أنا أحب الكلاب وأرجو أن تعذرني لكن من أجلك لن أقتني كلباً ، ولن ألاعب كلباً بعد اليوم .. سأغسل يدي عشر مرات وبكل المنظفات الصناعية وليس سبعاً المهم أن يعتدل مزاجك ولندخل الحفل معاً بكل سعادة .

الصدور نافرة ، عارية كاسية ، والوجوه فاتنة ، والأجساد متوقدة ، والملابس ثمينة مراوغة ، والأطعمة والمشروبات تكفي ضعف الحشد الهائل وتزيد .. الحفل أسطوري مبهر لكني أحسست بغربتي عن المكان ومن فيه وما فيه ، تبحث عيوني عن بشارة أستأنس بوجوده .. لم يكن هناك .. جلست أتأمل المكان وما يدور فيه ، وغرقت دينا في أحضان وقبلات صديقاتها الكثيرات ، غابت بينهن . تركتها لما هي فيه ، وتبادلت حديثاً عارضاً مع من كان بجانبي ، سألته عن بشارة فعلمت أنه ترك برلين إلى إحدى مدن غرب ألمانيا .. شغلت بما يدور حولي ، وما يعتمل بين جوانحي قليلاً أو كثيراً لا أدري .. الموسيقى صاخبة وحلبة الرقص مستعرة ، اتجهت عيناي صوبها ، فطار فؤادي ، كاد يتحرك من مكانه ، وكدت أهرول أدوس الخلق لأطرح دينا أرضاً ، وأدوسها بقدمي ، وأترك الحفل ، لكني وقفت لا أدري كم وقفت تحرقني النار ، ثم اندفعت إلى حلبة الرقص منتزعاً دينا ، وعدلت عن لكمها في آخر لحظة ، موجهاً لها أقذع السباب ، والبراءة إياها في عينيها تكاد تقبل قدمي أن أنتهي ولأقتلها خارج المكان إن أردت .. استوقف المشهد الكثيرين وعلت الهمهمات لكن الأمر لم يتعد الهمهمة .

أي حظ ألقى بكِ في طريقي يا بنت الأفاعي ؟ .. أسمع دقات قلبي عنيفة متسارعة ، يكاد الدم يفجر عروقي ، تلهث أنفاسي ، بعنف تهتز أوصالي ، وتفور خلاياي .

رأيتها تراقص شاباً أقرب إلى الخنوثة منه إلى الرجولة ، يمسك بيديها ، صدرها يمس صدره أو يكاد ، شفتيه في أذنها يهمس بكلمات فتضحك وهما منهمكان في الرقص يرفع يدها فتدور دورة كاملة حوله ، ويعيد الكرة .

وقف مراقصها مشدوهاً يرقبنا بتوتر ، والبراءة اللعينة إياها في عينيه ، وهي تستجدي وتستجدي أن أملك زمام نفسي ، اندفعت خارجاً فتعلقت بي التفت إليها قليلاً فلمحتها توميء برأسها مودعة شبه المخنث فصفعتها على وجهها بعنف .. سارعت باحتضاني وسحبي خارج المكان

اقتلني ، احرقني لكن بعد أن تسمعني .

ماذا تقولين يا بنت الحرباء .. تراقصينه يكاد يأكلك وتأكلينه ثم تودعينه لتطمأنينه .

ما ظنك يا سامي .. هذا ربيبي ، ابن أعز صديقة لي ، عمره لا يتعدى السابعة عشر ، وهو كالبنت العذراء لا خوف منه حتى لو حبس مع أجمل البنات لأعوام .. راقصته أمامك وأمام الخلق ، ويعرف الناس من هو ومن أنا .. صدقني هو موضوع سخرية البنات والنساء في كل حفل .

فلتذهبي إلى الجحيم ، اغربي عن وجهي .

اضربني ، اذبحني .. أقسم لك أني صادقة ، وأقسم أني لن أراقص أحداً بعد اليوم ، لو علمت أن ما حدث سيسبب لك أي ألم ما فعلته .

تعلقت بأهدابي واستماتت ، تحتضني ، وأنا أدافعها ، تبكي وتعتذر ، وتقسم أنها تحبني وأنها ستعوضني عن كل ما حدث.

أي تعويض يا بنت الحرباء ؟ .. ما ظننت أن أتعرض أبداً لما تعرضت له ، مالي وهذه الزيجة النكدة ، أي طالع سوء لهذه الليلة ؟

استماتت في محاولاتها ، تبكي ، وتقسم ، وتقسم وتبكي ، وتعتذر ، وتعتذر .. عدت مثخناً بجراح عميقة لا أدري إن كانت للأيام القدرة على شفائها !