الفصل 31

10 0 00

ذات مرة ذهبت للعزاء .. صديقنا الشاب توفاه الله تاركاً أرملة رائعة الحسن ذاعت قصة حبهما بين الناس .. على المقابر قطعت الأرملة شعرها ، تحثو تراب المقابر على رأسها ، ظنناها هالكة لا محالة .. قلت في نفسي هذا هو الحب الحقيقي ، الذي لا حب بعده .. بعد عام واحد وجدتها تتراقص السعادة في عينها تسير إلى جانب زوجها الجديد .

وصديق آخر تزوج حبيبته بعد قصة حب حافلة ومثيرة انتهى بهما الأمر بعد بضعة أعوام إلى العراك في ساحات المحاكم .

سيقت جارتنا سوقاً إلى زوجها كأنها تساق إلى حتفها .. دارت الأيام بينهما فوجدناها سعيدة لا تخفي سعادتها .

نفس موقفي المائع : إذ لا أستطيع أن أقر بوجود الحب كما تصفه أغاني العالمين ، ولا أستطيع نفيه ، لا أستطيع القول أن دينا أحبتني ، ولا أستطيع أن أنفي ذلك ، وإن كنت أميل إلى نفيه !

ذهبت إلى المسجد أستشير شيخه .. شرحت له الأمر بتفاصيله ، وعزم دينا السير على نفس الطريق ، وسألته عن مدى مسئوليتي تجاه علي ، وماذا يجب أن أفعل ؟

تملك الشيخ الأسى وقال :

أية مسلمة تلك التي لم تعرف ما الوضوء ولا الصلاة ، وربما لم تسمعها تنطق الشهادتين ، والأهم أنها تعصي الله فيك وتصر على المعصية ، إنها زوجة ناشز ، وعظتها كما قلت بالمعروف ولم تستجب ، هجرتها ، ولا فائدة ، ولا تستطيع ضربها في هذا البلد .. لكن صبراً يا بني ، وصبر جميل ، اعطها الفرصة وفسحة من الوقت شهراً ، شهرين ، ثلاثة فإن لم تستجب فطلقها غير آسف ، وحاول بكل ما تستطيع أن تأخذ منها ابنك فهي غير أمينة عليه ، فإن لم تستطع فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، وستكون المسئولة عنه أمام الله ، يا بني [ إن من أزواجكم وأبنائكم عدو لكم فاحذروهم ] .. كل الحذر يا بني .. اجتهد في عبادتك وادع الله مخلصاً أن يهديها فالله قادر على كل شيء .. أنصحك أن تحسم أمرك بها لكن بعد أن تمنحها الوقت الكافي وقد أوصلت إليها رسالتك بكل الطرق الممكنة .

غطت الثلوج حياتي ودينا .. الليل الدافيء الواعد أصبح ذكرى .. اللقاء الحميمي فقد حميميته ، بهجته وروعته .. سمائي الصافية ملئت عن آخرها بالسحب العكرة .. تعكرت سماء دينا لأيام قليلة ثم عادت إلى سابق عهدها .

أهملت هيأتي ، وفقدت شهيتي للحياة بكاملها ، أصبحت مكتئباً يشع الاكتئاب ، يزيدني بكاء علي كما تزيدني ضحكاته حزناً على حزن . بينما دينا تأخذ زينتها كما كانت وتبالغ أكثر .. أغلقت كل صنابير حنانها عني ، تكثر من البقاء خارج المنزل بمعدلات تتزايد مما أثار انتباهي ووتر أعصابي رغم سحابات الحزن الثقيلة التي تضفي على وجهي سمات النوم .

مكالمات تليفونية كثيرة تجريها هامسة بعد أن تأخذ الجهاز إلى غرفتها .. دينا لا يمكن أن تعيش وصنابير أنوثتها الدافئة مغلقة .. لعبت بي الظنون عنيفة قاسية .. إحدى المكالمات طالت لأكثر من ساعة في غرفتها المغلقة ، وصوتها هامس .. لم أستطع صيراً واندفعت أقتحم عليها غرفتها .. الباب مغلق بالمفتاح .. طرقته بعنف فأعلنت استياءها تلكأت قليلاً ثم فتحت الباب .. كانت قد أنهت مكالمتها .. اندفعت إلى التليفون لأستبين الرقم الذي طلبته كانت قد محت الرقم بخفة قرود .. طار صوابي وأمسكت بخناقها وزعقت :

مع من كنتِ تتكلمين ؟

بدت باردة مستهينة مما أثارني أكثر .. أعدت سؤالي أكثر هياجاً .. قالت ببرودها القاتل :

أجننت دعني .. مالك ومكالماتي .. كنت أتكلم مع صديقة .. استرحت ؟

صديقة : ولماذا أخذتِ التليفون بعيداً ، وتكلمتِ همساً ، ولماذا محوتِ الرقم ؟

مالك وحديث الصديقات ، أتريد أن تسمع ما يدور بيننا .. أتريد أن تأخذ أرقام صديقاتي .. كانت تحدثني عن مشكلة خاصة بينها وزوجها .

خنقتها بعنف وهززتها بشدة حتى كادت تسقط مختنقة :

اتركني يا مجنون ، سأصرخ وأطلب الشرطة .. أنت إنسان معقد تحتاج إلى علاج نفسي.

سأقتلك يا عاهرة إن لم تصرحي بالحقيقة .

دعني .. ستقتلني .. أنت مجنون حقيقي .. إن كنت تشك في سلوكي فلماذا تعيش معي؟

أقعدتني العبارة الأخيرة .. الشك يكاد يقتلني .. ترى مع من كانت تتكلم ، إن لم يكن مع غريم فلماذا محت الرقم .. بماذا كانا يتهامسان ؟ .. ربما كان عشيقاً من عشاقها القدامى ، أو عاشقاً جديداً ، يمكنها كل يوم أن تتعرف على أكثر من شخص ، كما تعرفت عليَّ وبمنتهى السلاسة والسهولة .. في بضع دقائق طوتني كورقة ووضعتني في جيبها !

أصبح البيت بالنسبة لها مجرد مكان للنوم .. لابد أنها تغرق خارجه في الأحضان الآثمة ، إن لم يكن الأمر كذلك فلماذا تبالغ هذه الأيام في زينتها أكثر من عادتها ؟ وتعود كأنها ثملة بالنشوة ؟ .. كانت تتلهف عليّ ، تمتص غضبي أو حزني في لحظات ثم تغرقني دفئاً وحناناً فما بالها الآن تتركني كماً مهملاً وجوده كعدمه ، لابد أنها أتخمت خارجاً فلا حاجة إذاً لي .

ويلي .. من أكون إذاً ؟ .. زوجتي تخرج تنثر الغواية أينما حلت وأنا هنا قابع كفأر في الظلام .. كل هذا الحنان ، كل هذا الدفء الأسطوري ، الذي كانت تفيض به عليَّ ، من ينعم به الآن خالصاً ، وفوق ذلك قد يسخر مني ، وقد يتبادلان معاً السخرية مني .. السخرية من القروي الساذج الذي ينتظرها خاضعاً ككلب أليف ، لا يحرك ساكناً .

ماضيها يحرقني ، حاضرها يقتلني .. أصبحت شتاماً ، لعاناً ، ألعنها كل لحظة ، ألعن كل ذكرى لي معها ، وكل لقاء .. أصبحت مشوشاً قلقاً لا يستقر بي فكر ولا مكان .. لولا هذا الذي أسمع صوت بكائه لحملت نفسي من فوري إلى غرفتي المهجورة ، ولاستأصلت رجولتي بيدي إذا نازعتني إليها نفسي ، كما رأى غاسل الأطباق ابن محافظة الشرقية .

لم يعرف النوم طريقه إلى عيني ، ما عرفت مثل هذا الاجهاد قبلاً ، لا يمكنني بحال أن أذهب إلى العمل .. زهدت في المأكل والمشرب ، في الحياة نفسها .. لم أجد في نفسي القدرة حتى للاتصال بصاحب العمل لأعتذر له عن عدم حضوري .. ليلي كنهاري ، ونهاري كليلي ، كل ما له علاقة بدينا يدفعني دفعاً إلى الشك فيها : ملابسها ، زينتها ، تأخرها ، عزوفها عني ، ماضيها ، حاضرها ، خمرها ، وعطورها ، اهمالها شبه التام لعلي ، طبيعة عملها .. كل لحظة استمتعت بها تحولت إلى خنجر يدمي قلبي ، كل ذكرى لها معي شاهد على عهرها ، عهر فطري جبلت عليه ، لا يمكن تغييره .. الأيام ثقيلة ، الساعات ثقيلة ، حتى اللحظات ثقيلة ، لو استمر بي الحال هكذا لتحولت خلال شهر واحد إما إلى قاتل أو مجنون .

لو أستطيع خطف علي والطيران به إلى مصر ما انتظرت لحظة ، وكل مشاكل الكون بعد تهون!

انضممت إلى طابور العاطلين ، أتقاضى من التأمينات نسبة معينة من أجري .. كأني أخذت تفرغاً للشك والظنون ، أذهب معهما كل مذهب ، قائماً أو قاعداً ، يقظاً أو شبه نائم ، خارج المسكن أو داخله حتى أوشكت على الجنون .. كلما رأيتها خارجة يسبقها عطرها ، متحرر معظم لحمها ، ووجهها رائق مرسوم بأصباغه المنسقة تلعب بي الشياطين كما شاءت .. كلما زاد معدل الخصام ليتحول إلى خصام كامل ، تغلق دوني صنابير حنانها ، تداولتني أرجل الشياطين ككرة قدم .

قسرت نفسي على الحوار مع دينا بعد عودتها من العمل ، استحضرت الهدوء بكل عناء ، وأعربت لها أن حياتنا هكذا عذاب لا يحتمل ، واننا فقدنا لغة التفاهم ، فلماذا لا نعمل معاً على استعادتها ، إن لم يكن من أجلنا فمن أجل علي ، من حق ابننا أن ينشأ في أسرة هادئة ، ومستقرة .. كأنها راغبة عن حواري ، عن كل ما يصدر عني ، وعن كل كياني .. قالت بضيق : إن نسيت أفكارك القديمة ، ورغبت في العيش في عصرنا ، لا عصر أجدادك ، وفي برلين لا في قريتك ، إن فكرت بفكر العصر ، وتكلمت بلغته سأفهمك .. أنا لا أفهم غير لغة هذا العصر ، ولا أعرف غير فكره .. أنت الذي قررت البعد ، واخترته ، وأنت حر .. إن قبلتني كما أنا فما المشكلة ؟ وإن قررت العيش في العصور الحجرية فلن أصحبك .

قلت والحنق يكاد يفجرني ، أسيطر على طبقة صوتي بكل عناء : لكنك عربية مسلمة .

زفرت قائلة : آه ، رجعنا للموال الممل : أنا عربية عصرية ، وأفهم الإسلام على طريقتي ، باختصار أنا على ما أنا عليه كما ترى وتعرف ، ولك الخيار أن تقبلني أو تلفظني .

قلت : وعلي ، قالت : لن يقبل علي أن يرى أمه قعيدة البيت ، سمينة كبقرة ، تفوح رائحة الطهي من ملابسها ، تعيش صاغرة ، حبيسة ، وإن خرجت تخرج كخيمة سوداء متحركة تثير السخرية ، لكنه سيفخر إن رأى أمه عصرية ، جميلة ، رشيقة ، أنيقة ، مقبلة على الحياة ومتالقة

قمت قبل أن أنفجر : وصلنا إلى الطريق المسدود : لم تساوم أو تراوغ هذه المرة ، بل كانت واضحة ، حاسمة ، تعرف طريقها ، وتدري ما هي فاعلة ، وأنا كراقص على سلم فلا هو صاعد ، ولا هابط ، تركت قرويتي وركبت سلم دينا ، لم أهبط إلى ما كنت عليه ، ولم أصعد إليها .. ها أنذا لا أرغب في العيش معها ، ولا أستطيع هجرها .. كنت أتمسك بأمل واهن أن تكون على الصورة التي أرغب ، أو قريبة أي قرب منها ، فها هي قد حسمت أمرها وداست هذا الأمل الواهن بحذائها ورغم ذلك مازلت في حيرة من أمري ، كأني بلا عقل مسلوب الإرادة .

عادت من عملها رائقة تغني .. ألقت بحقيبتها وذهبت تأخذ حمامها .. ترى لماذا تبدو سعيدة هكذا ، وماذا دار خلال ساعات تأخرها ؟ .. أسرعت كالمجنون أبحث في محتويات حقيبتها عن دليل إدانة ، ترتعش يداي ، وتلهج أنفاسي ، وتهتز الأرض من تحتي .

عنوان مكتوب بخط كبير ، متقن وواضح على مظروف خطاب ، الخط والاسم يدلان على أنه لرجل ألماني .

انتظرتها على أحر من الجمر ، خرجت فأشرت لها بالورقة والنار تأكلني :

عنوان من هذا ؟

قالت ببرود :

وما يدريني ؟

وجدته في حقيبتك .

لا أتذكر أي شيء عن هذه الورقة ، ثم من أعطاك الحق لتفتش حقيبتي ؟

صرخت : لمن هذا العنوان ؟

حملقت فيَّ بثبات وبرود وقالت :

قلت لك لا أعرف عن هذا شيئاً ، فما ظنك ؟

إنه مكتوب على مظروف خطاب قديم ، يعني أنه لم يكتب في مكتب أو في بيت وإلا لكتب على ورقة أخرى .. قابلتِ صاحب العنوان في الشارع ، أو كنتِ تقصين شعره ، تبادلتما الاعجاب ، بالطبع لا يستطيع أن يزورك هنا فطلبتِ عنوانه لتذهبين إليه ، لم يجد غير هذا المظروف ليكتب عليه .

بالتأكيد أنت مريض ، وتحتاج لعلاج نفسي ، الوساوس ستقتلك .

يبدو أنها حسبت حساباتها ، ما إن هممت بالإنقضاض عليها حتى قفزت سريعاً إلى إحدى الغرف وأغلقت الباب ، هددت باستدعاء الشرطة إن لم أهدأ . ثم قالت ساخرة :

أنت مريض فعلاً يا حبيبي ، قلبي يتفتت عليك حزناً ، سأصحبك إلى طبيب نفساني أعرفه فمازلت أحبك .

هممت بكسر الباب لكني عدلت تشتعل النيران في أحشائي .. زعقت :

اعطني علياً وليذهب كل في طريقه !

عالج نفسك أولاً ، وأنا أعطه لك .

صفقت الباب ، وهرعت إلى الشارع قبل أن أنفجر ، لا أدري كم سرت متخبطاً ثم قادتني قدماي إلى شقة عماد .. فتح الباب فهاجمتني سحب من الدخان الأزرق ، رحب بي عماد بصوته المرتفع :

جئت في وقتك ، لتخلصني من هذا الأرعن .

شاب في مقتبل العشرينيات ، طويل الشعر ، ناعمه ، طري الجلد كالنساء ، ملابسه ثمينة ، وسلسلة ذهبية على صدره .. ابتسم حين وصفه عماد بالأرعن ، يبدو أنه معجب بعماد ، وبكل كلمة تصدر عنه مهما كانت .. واصل عماد حديثه :

هذ الأرعن جاء خصيصاً من مصر من أجل اللحم الأبيض ، يريد التهام أكبر كمية ممكنة منه في أسبوعين ، ميزانيته مفتوحة فوالده (حرامي) كبير في مصر ، والده وأمثاله من أكبر أسباب وجودك ووجود غيرك هنا في برلين ، وغير برلين .. خذه يا سامي إلى قيعان برلين العفنة ، أغرقه في اللحم الأبيض إلى أذنيه ، وتمتع على حسابه .

الشاب يضحك ببلاهة ، وينتظر بفارغ الصبر البدء في مهمته .. لو كان الأمر بيدي لصفعته على قفاه ألف صفعة ، وألقيت به في أول طائرة إلى مصر .. نظرت إليه بازدراء وقلت لعماد :

اتصل بحفيد الباشا ، مجنون السيدة دينا ، هو على شاكلته ، سيكون كلاهما فرصة مواتية للآخر.

صاح عماد : فكرة عظيمة لا أدري كيف غابت عني ، لأول مرة أجد فائدة لحفيد الباشا .. سيخلصني من هذا الأرعن .. ألا ليت الشباب يعود يوماً ، لو جاء هذا الأرعن قبل عشرين عاماً لأريته برلين على حقيقتها .

ثم التفت إليَّ عماد قائلاً :

شكلك لا يعجبني ، ماذا وراءك ؟

أفكر في ترك برلين كلها .

لن تستطيع يا صديقي ، برلين تشرخ كل من يأتي إليها من دول العالم الثالث شرخاً لا يلتئم أبداً .. برلين كالإدمان تلعنه لكنك مدمن .. في برلين أنت آمن اقتصاددياً سواء كنت تعمل أو لا تعمل ، آمن على علاجك وعلى أعلى مستوى ، الشرطة في خدمتك ، تشعر أنها ساعدك الأيمن .. الحرية الكاملة مكفولة طالما لا تعتدي على حقوق أحد .. في بلادنا لست آمناً على شيء ، باختصار الدولة هنا بكل مؤسساتها تحميك ، والدولة في بلادنا وأمثالها عصاً على رأسك .

الرزق مقدر يا صديقي ، وبلادنا قدرنا .. كل ما قلته لا يهمني .. أنا أهرب من دينا

وابنك ؟

هو الشوكة في ظهري .

ألا يمكنك التعايش معها بشكل من الأشكال ؟

حاولت وفشلت ، ولا أمل ، أموت كل يوم مرات ، لا أستطيع .

فلتعد إلى قريتك يا صديقي ، قبل أن يصبح علي وآخرون ، على أن تنسى برلين ، أن تمسحها تماماً من رأسك ، وكأنك لم ترها .. إن لم تستطع نسيان برلين ستتحول حياتك في قريتك إلى جحيم لا مهرب منه إلا أن تعود إلى هنا .

وابني .

سيبحث عنك يوماً .. صدقني .. سيأتيك بحثاً عن جذوره .

الأمر ليس سهلاً يا عماد .. قلت لك أفكر ولم أقرر بعد .

احسم أمرك يمكنك أن تفكر سنيناً ولا تصل إلى قرار .. سألت مجرباً .

تركته وقد فاجأني برأيه .. لم أكن أتصور أن ينصحني عماد الغارق في برلين بتركها والعودة إلى وطني وقد بدا واثقاً مما يقول كأنه يملك الحقيقة .. أظن أن صبحي لو كان طبيعياً لنصحني بما قاله عماد ، ولأول مرة كان سيتفق النقيضان .

ويلي .. كأن المظروف الذي كتب عليه العنوان اللعين أمامي .. لا أجد سبباً واحداً لوجوده في حقيبتها غير وعد بلقاء له ما بعده .

ليتني وجدت من يضربني بحذائه حتى لا أتزوج هذه اللبؤة ، يالسخرية الأقدار !!

حين كنت في مركز التدريب بالقوات المسلحة القريب من القاهرة ، وسمح لي بالراحة لمدة يوم ، ما كان لي أن أذهب إلى قريتي ثم أعود إذ يستغرق السفر إلى القرية والعودة منها نصف الوقت المسموح عرجت على بعض طلاب قريتنا يدرسون بالقاهرة .. وجدت هناك أكثر من طالب ، وصوت نسائي داعر يجلجل المكان .. رحبوا بي على ما ينبغي وقال أحدهم :

الخير على قدوم الواردين .. أنت ابن حظ .

أي حظ ؟

لن تعرف قبل أن يأتي دورك .. مفاجأة لن تنساها طوال عمرك .

كنت في أشد الحاجة لأخذ حمام ، لم يمس الماء جسمي لمدة أسبوع كامل رغم قيظ الصيف .. طرقات صاخبة ذات ايقاع موسيقي على باب الحمام والصوت الداعر يدوي :

افتح يا عمنا لنرى بضاعتك .

أهذه مفاجأتك يا ابن ملتزمة ؟ أبوك يأكل طين الأرض ، يقتطع من لقمته الجافة لتتعلم وها أنت تفعل ما تفعل ، لست وحدك وكل من معك من أبناء قريتنا .. لبؤة واحدة تنتقل بين أحضانكم جميعاً وكأنها مرحاض يدخله الواحد بعد الآخر .

طال بي الوقت .. خرجت ، كانت تحت أحدهم يسمع صوتها الداعر وسط تعليقات المنتظرين لأدوارهم .. تحايلت للهروب بدعوى شراء سجائر مع أني لا أدخن ! .. بعد هروبي بوقت يسير هجست نفسي .. لماذا لا أذهب لأكتشف الجسد الأنثوي الذي يسيطر بعنف على أحلامي نوماً ويقظة ؟ لكن فيم كان إذاً هروبي ؟ .. ألن أكون عرضة لسخرية هؤلاء وقد رأوني أعتاد المساجد؟ .. بالتأكيد ستتسرب مغامرات هؤلاء إلى القرية بشكل من الأشكال .. بالطبع نوع من الحيوانية الآسنة أن يتداولها شخص بعد آخر .. هربت إلى السينما لقتل الوقت ، ثم تسكعت في الشوارع حتى أجهدت . عدت موقناً أنها لابد قد ذهبت إلى سبيلها .

سمعت أصواتهم عالية أشبه بأصوات عراك .. هرعت إليهم .. أسرع ابن ملتزمة بالقول :

تصور يا سامي معاطي يريد الزواج من تلك اللبؤة ، وقد رآني ورأى غيري فوقها بعينيه .

ذهلت غاية الذهول ولم أصدق وسألت معاطي عن حقيقة القول فأقره : ثرت في وجهه وكدت أصفعه فقال يستعطفني :

أنت الوحيد القادر على فهمي يا سامي .. أحببتها وقد أحبتني ، اغتصبها زوج أمها فهربت من البيت ولم تجد عملاً شريفاً .. وعدتني بالتوبة والاخلاص .

أصدقتها ؟ أتتزوج من داعرة ؟

أرجوك لا تتكلم عنها بسوء .

كيف تتزوج من ضاجعها كل أصدقائك ، أجف دمك ؟!

سأتزوجها ، فقد وعدتها .

أثارت عبارة معاطي الجميع ، فهجم عليه ابن ملتزمة بحذائه ضارباً .. أخذ معاطي يكرر: سأتزوجها حتى أخرسته الأحذية ، أحذيتنا جميعاً !