أنت مصري حتى النخاع يا علي .. سمرة النيل على جبينك .. نفس ملامحي ، صورتي بكل تفاصيلها قبل ثلاثين عاماً .. لا أثر لدينا يرى على تكوينك فهل تذيبك أوروبا لتصبح خيطاً في نسيجها ؟ .. أميل إلى الإيمان بقول عماد أنك ستبحث عني بحثاً عن جذورك ، لابد أن جيناتك تحمل حضارة سبعة آلاف عام .. المصريون لاينسون أبناءهم ، فهل ينسى المصريون آباءهم ؟ لو أستطيع خطفك ما ترددت لحظة ، لو ساومتني دينا عليك لرضخت تماماً لما تريد . من أجلك مازلت أسكن تحت سقف واحد مع تلك الشيطانة ، أتلكأ في العودة إلى غرفتي المهجورة ، أو إلى وطني : قد تغفر لي جريمتي الكبرى في حقك أن كانت هذه أمك ، إنه القدر يا علي لكني لا أعفي نفسي بل أجلدها كل لحظة .. من أجلك أتردد في قرار الانفصال ألف مرة ، لا أكاد أتصور فراقك ، ولا تركك لهذه المستغربة ، أو التي لا هوية لها . خيرتني بين العيش معها وترك الحبل على الغارب لها ، او الانفصال عنها في هدوء فكيف يحتويني معها سقف واحد .. أترضى لوالدك أن تداس كرامته ليل نهار ، أن يعيش مع هذه الرعناء كحيوان أليف ؟
كرهت العمل بالمطاعم ، وكرهت كل رائحة للقلي أو الشواء فماذا أعمل إذاً إذا كانت لي رغبة في العمل أو قدرة عليه ، أأعمل في شركة من شركات النظافة ، أو حارساً ليلياً في شركات الحراسة ؟ .. إنها أعمال قليلة الأجر إلى حد بعيد كما أنها مرهقة ومملة .. إن حاولت إعادة تأهيلي لعمل آخر فلابد لي من التدريب ما يقرب من الثلاثة أعوام أتقاضى خلالها منحاً مالية تسد رمقي بالكاد .. كل هذا لا يهم .. لا أحتمل أن أرى دينا تصطحب رجلاً آخر ، زوجاً كان أو ما يسمونه بالصديق ليعيش معها وعلي تحت سقف واحد .
يمكنني نحت الصخر في بلدي ، وربما السفر إلى بلد عربي بترولي لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه في هذه البلاد الظالم أهلها .
لأجلك يا علي سأعيد المحاولة مع دينا .
كأن اللعينة تحاول بكل ما تستطيع إثارة شكوكي : تعود دوماً متأخرة ، في عمق الليل والسعادة تطفر من عينيها .. اشترت من الملابس الأكثر إثارة .. تكثر من المكالمات التليفونية الهامسة لا تعلو فيها إلا ضحكاتها ، وتحرص على محو أرقام مكالماتها !
مرغماً رحت أناقشها فيما يدور ، عبس وجهها ، وتقلصت ملامحها وقالت مختصرة :
لست قاصرة ، ولست ولي أمري .. أنا حرة أفعل ما أشاء ، ولك الحرية أن تفعل ما تشاء ، أنا لا أتدخل في شئونك فلماذا تتدخل في شئوني ؟
أنت زوجة مسلم وأم .
يا الهي ، نفس العبارة المملة لا تتغير .. انظر إلى كل الأسر الألمانية ، إلى كل زوجين ألمانيين وتعلم كيف يعيش هؤلاء السعداء المتحضرون .
أهذه أسر حقيقية ، وهؤلاء الناس سعداء ؟
بالطبع سعداء .. زميلتي الألمانية إذا تركت زوجها في نهاية الأسبوع لسبب من الأسباب تتمنى له حظاً سعيداً ، يبادلها نفس الأمنية .
حظاً سعيداً مع طرف آخر ؟
ليس بالضرورة مع طرف آخر ، لكن لا يضير إن كان كذلك ، كل واحد منهما يملك جسده ، لا يملك أحد أحدا ، المهم أن يحافظ كل منهما على العيش معاً .
وما رأيك في ذلك ؟
قمة الفهم والتحضر ، والثقة بالنفس ، واحترام الآخر .
تريدين أن أتمنى لكِ نهاية أسبوع سعيدة .
إن كنت تثق في نفسك وتثق بي ستقولها مطمئناً سعيداً ورائقاً .
وإن أخطأتِ ؟
اطمئن ، سأعترف لك إن أخطأت ثم أطلب الغفران ..أغفر لك مقدما ً أية مغامرات .
أنتِ عاهرة .
وأنت متخلف .
بجهد جهيد سيطرت على انفعالاتي ، كدت أشطر رأسها بكوب كان بيدي لكن وماذا بعد ؟.. قلت :
أتعنين حقاً ما تقولين ؟ أأنت في كامل قواكِ العقلية ؟
أعني كل حرف ، ولم أشرب بعد قطرة خمر .
إذاً قررت الانفصال .. أتذكرين وعودكِ لي قبل الزواج ؟
افهم على طريقتك .. سحبت كل وعودي .
وعلي !
علي في حضانتي ، وأمامك القضاء .
سأذهب من فوري إلى غرفتي ، تعرفينها ، إن عاد إليكِ رشدك ، وفكرتِ جيداً في مستقبل علي فأنا في انتظارك .
لن آتِ إليك أبداً أما إذا غيرت أفكارك العتيقة ، وأردت العيش معي كما يعيش الناس يمكنك أن تحضر للتفاهم ، وقد أقبل من أجل علي .. أمامك شهر واحد بعده لن أفتح لك باباً .
ألقيت إليها بالمفاتيح ، وشرعت ألملم أشيائي ، بينما هي وبلامبالاة عجيبة تجرع خمرها .. طرقت الباب على الإنجليزية فسمحت لي بالدخول .. أخذت علياً بين أحضاني أقبله وأعيد وتفيض دموعي غزيرة .. دمعت عينا الانجليزية لكنها لم تنبس بحرف .. ذهبت إلى غرفتي أجرجر أحزان العالم .
حزينة غرفتي كحزني ، كل ما فيها يأسى لحالي .. أستعيد شريط أيامي في برلين لا تغيب منه لقطة ، يتخلله شريط أيامي في قريتي فيمتلكني أسى لا نظير له ، وتظهر دنياي كلها في ملابس حدادٍ مقبضة .. حزينة صلواتي ، حزينة قراءاتي ، نظراتي ، خطواتي ، هكذا يمكن أن تنتهي حياتي .. لجأت إلى القرآن الكريم أستلهم منه الشفاء كما كان ينصحنا الشيخ مليجي رحمه الله [ وننزل من القرءان ما هو شفاء ] ظللت أقرأ وأقرأ لا يصل إلى قلبي شيء إلى أن وقفت أمام قوله سبحانه [ لكي لا تأسوا على ما فاتكم ..]
وماذا يفيد الأسى ، وما فات قد فات ؟ ، وماذا يجدي لو قتلت نفسي حزنا وأسى أو بأي طرقة أخرى .. أذنبت وباب التوبة مفتوح دائماً ، ورحمة الله واسعة .
داخلتني بعض الحيوية ، ووجدت بعض نشاط .. قمت إلى حمامي كأنني أغسل أدراني .. صليت بخشوع افتقدته طويلاً ، أطيل السجود وتسقط دموعي ، أحسست أن يد الله الحانية قد مست شغاف قلبي ، فاطمأنت نفسي .. خرجت إلى الشارع هادئاً .. جميلة برلين .. رائعة .. مبانيها عفية ،نظيفة ورائقة ، بعضها كأنه منحوت بيد فنان عبقري ، لكنها على ما أظن لا تحوي بين جدرانها إلا أسراً منخورة ، إن كانت دافئة فهي تفتقد الدفء الأسري على النحو الصحيح ، إن كانت نظيفة فإن الكلاب الأليفة تقضي على نظافتها ، إن كانت تحتوي على مطابخ رائعة ، واسعة ، وكاملة التجهيز فمعظم الألمانيات لا يجدن الطهي ولا يحببنه .
زاد حبي لبيتنا البسيط في قريتي ، لهو أفضل في عيني وعقلي وقلبي من كل هذه المباني الباذخة .
عدت إلى سابق عهدي أيام الشيخ مليجي رحمه الله حياً أو ميتاً ، أجتهد في العبادة وأكثر من الدعاء والاستغفار وقراءة القرآن .. ما كان لي أن أبحث عن عمل في أي مطعم ، فكلهم يقدمون لحم الخنزير والخمور .. إن كنت مضطراً قبل ذلك للعمل في المطاعم فلست الآن مقسوراً عليه .
انقشعت ضبابات كثيرة عن سحنتي وتفكيري .. تدبرت أمري ، وصليت صلاة الاستخارة فآثرت العودة إلى مصر .. كان شهر المهلة التي منحتني إياه قد فات ، ولم تأت دينا ، ولم تحاول الاتصال بي بأية وسيلة .. أحسست براحة عظيمة بقراري ، واطمأننت إليه .. حمدت الله أن بيدي ما يغطي نفقات السفر ، وما يمكن أن تتيسر به بعض أموري في مصر .
خسرت معركة لكني لم أخسر الحرب .. المهم أني لم أخسر نفسي ، مازالت لدي القدرة على اقتحام ميادين الحياة .
موعد الرحيل بعد ساعات ، واليوم الأحد يعني أن دينا في عطلة .. كلمتها تليفونياً لأودع فلذة كبدي لم تمانع ولم تعلق بكلمة واحدة عن رحيلي .. أخذت علياً بين أحضاني أشعر بدقات قلبه كـأنها دقات قلبي ، حرك ذراعيه وقدميه تعبيراً عن فرحه ، وبسمة ملهوفة حبيبة نقشت في قلبي .. فاضت دموعي أمطاراً غزيرة ، لا أتمالك مشاعري ، أعطيته ظهري مرغماً ، كأني تركت قلبي ورائي .
كتبت عنواني ترتعش يدي ، تبلل دموعي الورقة وقلت لدينا :
هذا عنواني في مصر إن عنَّ لك زيارتي ، وأردتِ بداية جديدة .
كانت باردة المشاعر كلوح ثلجي .. سلمت عليها فأحسست ببرودة يدها .. قالت :
مع السلامة .. أتمنى لك حظاً سعيداً !!
أمسكت بالباب ثم قلت :
دينا .. أنتِ طالق .
خرجت وأغلقت الباب .. يبدو أنها لم تحرك ساكناً .. أسرعت إلى غرفتي يتملكني بكاء لم أعرفه حتى جف دمعي ..
بضع ساعات تبقت عن موعد السفر .. خرجت إلى شوارع المدينة قاصداً كل مكان شهد أحداث وجودي .. ذهبت إلى أول مسكن عرفته في برلين .. زكي على حاله ، ملقى على ظهره كأنها المرة التي رأيته فيها .. ودعته فنهض واحتضنني وبكى كثيراً ، أوصاني بالسلام على ما في مصر ومن فيها .. خرجت آسفاً عليه ، وعلى أمثاله ، أحمد الله على أني لم أزد عددهم واحداً .
وكان حقاً عليَّ وداع عماد .
أخذتني من بعيد حركاته فتلكأت قليلاً أرقبها ، مشيته المنتشية في المكان ، وكرشه المنسجم ، وعينيه الرائحتين الغاديتين ، ولسانه الذي لا يتوقف ، ومداعباته لحواء المقبولة دوماً .
السلام عليكم يا أحلى عماد .
وعليكم السلام يا صديقي .. أين أنت ؟
بينما عيناه تسقطان على مفاتن أنثوية ، ولسانه يتحرك .
أعطني دقيقة واحدة من وقتك .. جئت لأودعك ، مسافر بعد سويعات .
وزوجتك .. وابنك ؟
استمعت إلى نصائحك .. ألم تنصحني الحسم قبل أن يصبح علي أكثر من علي واحد :
ذلك أفضل .
انقلبت سحنة عماد بسرعة مذهلة ، واكتنفه حزن سوداوي عميق ومفاجيء ، احتضنني بقوة لوقت لا أدري كم طال وفاضت دموعه .
فعلت ما كان يجب عليَّ فعله قبل عشرين عاماً .. مالا أستطيع فعله الآن ، أحملك أمانة السلام على مصر وأهلها .
يوصي ، ويعيد الوصية ، ويربت على كتفي بحنان :
يا أحبابنا .. ليس لدينا وقت .. صديقتي تريد شراء هذا العقد .. بكم تبيعه ؟
صاحب الصوت شاب مصري مازالت آثار شمس النيل العفية على جبينه ، كله سعادة وفخر بشقراء ألمانية ، يقول أنها صديقته .
ترى أي مستقبل ينتظر هذا الفرِح الفخور ؟!
تمت ،،،