الفصل 27

11 0 00

لا تلمني . لا تعاتبني ولو كان عتاباً رقيقاً .. أنا في وقت دلالي .. دعني أتصرف كما يحلو لي ، على سجيتي ، لا تطلب مني شيئاً وسارع إلى تلبية رغباتي .. لا داعي لأية مضايقة .. نريد أن ننجب طفلاً سليماً .. الجنين يتأثر بما يدور بين الزوجين ، يفرح لفرحنا ، ويحزن لحزننا .. إذا كنا سعداء فترة الحمل فسيخرج طفلنا للدنيا سليماً معافاً ، فلننس كل ما يعكر الصفو .. ليتك تبرهن على حبك لي كل يوم ، كل ساعة ، كل لحظة من أجل ثمرة حبنا .. الوقت وقتي ، والدلال دلالي .

أنتظر بكل شوق لحظة تحرك الجنين في أحشائي ، أتوق لأن أكون مثقلة بحملي أتكيء عليك ، فتحنو عليّ. أتلهف لمتاعب الحمل ، وساعات المخاض ، وصراخ الوليد .

ربما حدست ما كنت أتحين الفرصة لقوله ، فقطعت الطريق ، وأجهضت المحاولة .. ستصبح أماً مسئولة ، فلتكن مثالاً صالحاً لوليدها أو لمولودتها ، معتدلة في زينتها ، وملبسها ، ومسلكها ، في كل شيء .

.. ها هي قد أخذت بنفسها الحق في أن تكون على ما هي عليه إلى أن تضع جنينها .. ابتلعت كلماتي ، أتوقع أن تجد ما تقوله بعد الإنجاب لتفعل ما تحب ، ترى ماذا سأفعل حينذاك ؟!

مرت الأشهر الثلاثة الأولى للحمل ، لابد أن الروح قد التبست الجنين فأصبح له حق الحياة .. المسألة مسألة وقت يسير حتى أكون أباً ، ودينا لسخرية القدر هي الأم .. أحسست بأني أخطأت في أول الحقوق للوافد الجديد : أن أختار له أماً صالحة لا أستطيع الآن على الإطلاق القول بأن دينا أم صالحة .. هناك أمل وإن كان ضئيلاً أن يتحول مجرى حياتها ، فالله يهدي من يشاء .

أعدت للأمر عدته ، أخفت حجم بطنها الذي انتفخ بجنينه تحت الفساتين الواسعة ، وعالجت بالمساحيق كل أثر للحمل على وجهها ، سعيدة ، نشطة ، مقبلة على الحياة ، وأنا أضرب في أغوار الماضي أبحث عن طريق آمن للقادم من الغيب ، أفترض الفروض ، وأبحث عن الاحتمالات ، وأدقق في التدخلات .

صليت صلاة الشكر أن كان الجنين ذكراً ، فالذكر أخف وطأة بكثير في هذه البلاد من الأنثى ذلك حسب ما أظن ، أو حسب ثقافتي : نغفر للذكر نزواته وهفواته ، ونصدق تماماً توبته إذا أعلنها ، وننسى ما كان عليه قبلها ، لكنا لا نغفر أبداً للأنثى نزواتها ، أو هفواتها ، ونشك دوماً في توبتها إذا أعلنتها ، أو لم تعلنها .. أظن أن الولد أميل بطبيعته إلى أبيه ، تجذبه جذوره أكثر ، آمل أن يكون ساعدي الأيمن سأصحبه معي إلى كل مكان ، سآخذه دوماً إلى المسجد كما رأيت كثيرين يفعلون .. رغم تلك الخواطر وغيرها يداخلني حزن مجهول الهوية كلما رأيت بطن دينا تنتفخ ، يتزايد ذلك الحزن كلما زاد الانتفاخ .

دينا تتقمص دور الحامل كأحسن ما يكون ، فتدعي الوهن الكامل وهي الصحيحة القوية ، وتكثر من طلب ما لا تحتاج لا أرى إلا أن أجيب ما تطلب ، لكنها كانت تفيض أنوثة وعذوبة في لياليها ، كأن الحمل يحرك كل مكامن أنوثتها ، فتخضر وتثمر وتزهر أطيب وأحلى وأشهى الثمار .

زادت متاعب الحمل ، فامتنعت دينا عن العمل ، تشغل نفسها باستقبال الوليد ، تشتري له وتشتري ، ملابس ، ولعب ، أعدت له غرفة خاصة ، أخذت تزينها ، وتعيد ، وتسرف في شراء الملابس واللعب وحاجيات الزينة.. قبل أن ألفت نظرها إلى إسرافها قالت : هذا طفل سيولد في ألمانيا ، لا في مصر ، ولا في المخيمات ، دعنا نمتعه بما افتقدناه .

جميل اسم علي .. كنت أتمنى أن يحمل أول أبنائي اسم والدي لكن من حق الأبناء على الآباء حسن اختيار الأسماء .. والدي اسمه درويش ، اسم جدي مناسب جداً اسمه كريم ، وجدت أن دينا أميل لاسم علي وأنا أحب هذا الاسم .. أصبح لدينا غرفة علي ، وملابس علي ، ولعب علي قبل أن يأتي علي للوجود .

انتهيت من العمل فأخرجت قائمة طويلة بطلبات دينا ، وذهبت للتسوق ، قصدت الشقة مثقلاً بما أحمل ، ابتسمت دينا وقالت :

جئت في وقتك ، هيا لتساعدني في تغيير نظام شقتنا .

لماذا؟ شقتنا مناسبة جداً ، بل ورائعة .

إذاً تعالى معي أريك الشقة التي كانت خالية تحتنا ، وسكنها شاب ظريف ، وبالمرة أعرفك على جارنا الجديد .

وكيف دخلتِ إلى الشقة هذه ؟

جارنا الجديد جاء يرجوني أن يوصل الكهرباء من شقتنا لآلة ادخال المسامير (الفيشر) لأن كهرباء شقته مفصولة ، فطلبت منه أن يريني الشقة .

وهل كان وحيداً ؟

نعم ، فهو لم يتزوج بعد .

ضربت الحائط بيدي مرات ومرات وكدت أستقبله برأسي منهياً حياتي .

ماذا بك يا سامي ؟ إنه جارنا ، شاب ظريف ومهذب .

أأنتِ في كامل قواكِ العقلية ، أم مجنونة ، أم ثملة ؟ .. شاب تقولين أنه ظريف ، ووحيد ، تطلبين منه أن تدخلي شقته .. يا الهي .. رحمتك يا رب .

هو جارنا ، والناس لا تأكل بعضها ، وأنا واثقة من نفسي ، ألا تثق بي ؟

ألم يتحرش بك ؟

ماذا تقول يا سامي ، أأنت مجنون ؟

غبي ! سيدة جميلة تطلب منه أن تدخل شقته ، ويتركها تخرج كما دخلت ، غبي ، غبي !

هل ضايقك هذا ؟!

لا ، لا .. أنا أسعد الناس ، سعيد جداً .. يمكنك أن تقضي معه كل الوقت حتى أعود من عملي .

أتسخر مني ؟

عفواً أيتها الجارة الجميلة الحنونة .

آسفة ، تعرف أني حسنة النية .

وماذا يفيد أسفك ، إذا كنتِ تكررين نفس الخطأ ؟

لن أذهب إليه ثانية ، وما كنت لأذهب إليه .

أليس هذ أسوأ من جلوسك في المقهى ؟

آسفة ، آسفة ، لن أكلمه ثانية ، لن أسلم عليه ، ولن أرد سلامه .. لا يهمني في الوجود إلاك ، فليذهب إلى الجحيم هو وغيره ، المهم أنت ، أرجوك لا تعكر صفوك وصفونا من أجل علي ضيفنا العزيز القادم .

وجرعت أحزتني مريرة مرارة العلقم ، وأخذني الصمت والوجوم .. أخذت بيدي ووضعتها على بطنها لأتحسس وليدنا الآتي .. كان ساكناً ، ضغطت بيدها فوق يدي أكثر من مرة فتحرك : ، فقالت :

كان علي يترقب ما يحدث بيننا ، ويده على قلبه .. الآن اطمأن فتحرك سعيداً .

يترقب ، يده على قلبه ، تحرك سعيداً !! .. أنت حرباء حقيقية يا دينا ، تستغلين كل ريح لتسير سفينتك كما تحبين .. الأقرب إلى الظن أن ستمارسين حياتك كغربية ممعنة في غربيتها ، تهرب من كل ما هو شرقي .. ترى ماذا أنت فاعلة بهذا القادم من حجب الغيب ؟ على أي شكل ستكون صورته ، وبأي ثقافة سيكون مسعاه ؟ .. أحمد الله للمرة الألف أن كان ذكراً ، كل أملي أن يأخذ ثقافتنا ، يعيش على طريقتنا ، يلبس ملابسنا ، يشتهي طعامنا ، يزرع زروعنا ، يجوب في أوديتنا ويحمي العرين !