السادسة مساءً موعد عودتها من عملها .. السابعة لم تأت ، الثامنة ولم تعلن عن قدومها .. الساعة تشير إلى التاسعة .. ترى أين هي ؟ .. ثلاث ساعات يمكن للمرء أن يتجاوز فيها قارة أوروبا إلى غيرها .. ثلاث ساعات ومكياجها صارخ ، وعطرها نفاذ ، وفستانها يكشف أكثر بكثير مما يستر .. تستطيع هي أن تقتنص رجلاً في لحظات .. ربما اصطادت رجلاً كان تحت يدها تحلق شعره .. أوقفني الضيق ، تلهبني الظنون . الزمن ثقيل ثقل الجبال ، الدقيقة زمن لا يحتمل .. يعلو صوت بكاء علي .. طرقت باب غرفته ودخلت .. الخجل يرتسم على وجه الانجليزية تهدهد علي بحدب أم .. شكرت لها .. شعرت بيتم ابني رغم أن سقفاً واحداً يظلله وأمه .. أمه تأتي من شواغلها تداعبه قليلاً كطفلً لإحدى صديقاتها ثم تتركه لشأنها .. خرجت من غرفة علي آمناً عليه ، أنظر إلى ساعة الحائط كل دقيقة ، يكاد صدري يتفتق ، تسمع دقات قلبي عنيفة مضطربة .. تواردت إلى خاطري أسئلة سخيفة : ألم أرض دينا جنسياً ، ألم أشبعها عاطفياً ؟ .. أهي ترغب في المزيد ، لا يرضيها رجل واحد أم يقتلها الفضول إلى رجال آخرين ؟ أليس انحرافها إلى رجل آخر طعناً في رجولتي ؟ ألست مسئولاً عن إشباعها إن كانت لم تشبع ؟
دافعت الأسئلة السخيفة .. كأنها تتحيز لفرصة لتقف أمامي ثانية وثالثة ، وأكثر .
حوالي العاشرة وفتح الباب ، وألقت تحيتها .. لم أرد التحية وأسرعت بسؤالها :
أين كنتِ ؟
عند صديقتي .
لم تستأذني ، ولم تخبريني تليفونياً أين أنتِ .
أنا لست قاصرة ، ولن يأكلني أحد ، ولن أتوه في شوارع المدينة .
من حقي أن آذن لكِ أو أرفض .
اخرج أنت أيضاً دون أن تخبرني .. أي إذن وأي رفض ، أنت في برلين !!
نحن مسلمون وعرب ، لسنا ألمان .
سئمت هذه العبارة .. نحن في برلين ولسنا في قريتك .
كدت ألعن برلين صارخاً :
من هي صديقتك ؟ اعطيني رقم تليفونها .
أأنت مجنون ، ألا تثق بي .. اطمئن لم أكن عند رجل .
جعلتني مجنوناً ، متى تفهمين أنك زوجة مسلم عربي ؟
ومتى تفهم أنك تعيش في برلين ، وأن زوجتك لها حريتها الشخصية كاملة .
أنت مجنونة تلعب بالنار .
مازلت تعيش في قريتك لا في برلين ، هذه هي مشكلتك سبب مشاكلنا .. اخرج إلى مراقص برلين ، حانات برلين ، ونساء برلين ، وجمال برلين .. عش في برلين لا على هامش برلين .
ارتفع صوتها ، وزادت حدته ، كأنها على الحق ، وكأنها مظلومة تدافع عن حقوقها المسلوبة ، بدت مغيظة وقلقة .. أحضرت لنفسها طعاماً بسيطاً سريعاً ، ولم تسألني إن كنت تناولت عشائي أم أنتظرها لنأكل كالعادة سوياً.. أخذت تمضغ طعامها بلا شهية .. لأول مرة منذ عرفتها تأكل وحيدة ، ولأول مرة لم تسرع بتغيير ملابسها .. أكلت صامتة بضع لقيمات ثم قالت باقتضاب :
أريد أن أخرج .
قلت وأنا في غاية الدهشة :
لم تلتقطي أنفاسك بعد ، والوقت متأخر .. طوال النهار وثلث الليل وأنت خارج بيتك ألا يكفي هذا ؟
كررت نفس العبارة بحسم .. ضربت كفاً بكف ثم قلت :
وحق بيتك ، وحق علي .
ردت بضيق شديد :
البيت أصبح يخنقني ، وعلي لديه من تعتني به .
وإذا لم تكن لي رغبة في الخروج ؟
سأخرج وحيدة .
لم تك في حالة مناسبة للنقاش ، ولا أدري سبب ما هي فيه .. امرأة تخرج وحيدة في مثل هذا الوقت تتسكع لا أدري إلى أين تذهب ، أو تذهب إلى مقهى فتجلس وحيدة ، أو إلى حانة ، أو في أحد المطاعم أيضاً وحيدة ، لهي صيد مهيأ جداً لكل صياد ، سمكة تتلكأ حول الطعم ، امرأة تثير فضول الفضوليين ، وتستثير جرأة المجترئين !
زوجتي تريد الخروج في مثل هذا الوقت وحيدة !!
قلت مرغماً :
سأخرج معك ، فلتستريحي قليلاً .
من قال أني متعبة .. أرجوك لا تضايقني .
أي ضيق يا بنت المجنونة ، وماذا حدث لكِ ؟
وابتسمت محاولاً تخفيف حدتها فقالت :
أتعرف الدورة الشهرية .. هناك أيضاً دورات نفسية تأتي بلا أسباب معروفة وفي أي وقت .. أفهمت ؟
خرجت معها ، أتمنى الخروج من حياتها كلها ، وأيقنت أني أسير معها في طريق مسدود ، وفقدت الأمل تماماً في أن تكون على الصورة التي أريدها ، أو قريبة منها .. الأمومة لم تحرك فيها شيئاً .. لم تأت بجديد .. أي جديد .
سرت كحارس خاص يضيق بوقت حراسته ، وبمن يحرس ، وأخذني التفكير في مخرج .. كل الطرق أراها وعرة ، موحشة ، ومظلمة .. أصررت على أن أضع النقاط على الحروف في أقرب فرصة ممكنة ، فالوقت أبداً ليس في صالحي .. السيدة التي تنصح زوجها بزيارة المراقص ، والمسابح ، والحانات ، ومختلف الصالات حتى صالات القمار ، وتدفعه من طرف خفي إلى التعرف على النساء ، أي خير يرجى منها ؟ .. التي أعيش معها منذ ما يقرب من عامين ولم تظهر لي علامة واحدة على الوفاء بوعود قطعتها على نفسها .. التي لا ترى في الوجود غير نفسها ، اي خير يرجى منها ؟
لولا شلل إرادتي ، وترددي ، وتجاهلي للنصائح الواضحة ما كنت الآن في هذا الوضع المزري : حارس خاص لامرأة نزقة لا تعرف معنى كونها زوجة لمسلم عربي ، وأم لطفل يحتاجها كل لحظة .
أستحق الضرب بالحذاء ، وكان الأجدر بي أن أخصي نفسي بيدي كما قال فلاح محافظة الشرقية غاسل الأطباق ، واضح الرؤية ، وقوي الإرادة .
بقينا ما بقينا .. تسكعنا في الشوارع ، جلسنا في مقهى وقد أصابنا الخرس والوجوم ثم عدنا إلى المنزل .. لم أشاركها خمرها ، اجترعت أكثر من كأس دون دعوتي إلى الشرب معها ، وراحت لنومها . لم أسأل ماذا حدث لها فقد قالت أنها دورة نفسية تأتي كالأعاصير ثم تزول . تزول أو لا تزول لا يهم . ظللت ساهراً أبحث عن مخرج ، أحاول أن أحدد الخطوة الأولى .. لابد من مواجهتها ، لابد أن تعرف حقوقي عليها ، لن أتنازل عن حق واحد إلا متحيزاً لهدنة بيننا ، منتظراً الوقت المناسب .. وسأبدأ فور عودتها من العمل .
في اليوم التالي قصدت البيت فور خروجي من العمل عازماً على بداية جديدة ، أنتظر دينا ، أرتب أفكاري الأهم ، فالمهم .. السادسة موعدها .. الساعة تشير إلى السابعة .. السابعة والنصف .. حوالي الثامنة سمعت مفتاحها يدور في قفل الباب .. ألقت تحية جامدة مقتضبة وأسرعت إلى غرفتها ، هرولت وراءها وشددت ذراعها بقوة غاضباً وسألتها لم تأخرت .. صرخت:
أهو تحقيق يومي ، أتنقصني متاعبك ألا يكفيني ما أعانيه في العمل وصاحبة العمل والدنيا كلها ؟
قلت لكِ لا تعملي ، واعتنِ بطفلك .. لماذا تأخرتِ ؟
سأعمل ، وأنا حرة ، ولست جاريتك ، سأفعل ما أحب .
أنت زوجة وأم .
غيِّر هذا الموال السخيف ، ألا تمل ؟
أنتِ زوجتي ، وسألقنكِ كيف تكونين زوجتي ، لن تذهبي إلى العمل غداً ، وسألقي بكل أثوابك في القمامة لن تلبسي بعد اليوم إلا الملابس المحتشمة ، ولن أسمح لكِ بالخروج من المنزل دقيقة واحدة دون إذني .
النجوم أقرب لك ، أتظنني متخلفة من نساء قريتك ؟
أقل واحدة منهن أفضل وأشرف منكِ .
قريتك كلها لا تساوي حذائي .
سافلة ، ساقطة !
وهويت بكفي صاعقاً خدها ، وصفعة أخرى ، فثالثة ، وخرجت إلى الصالون ، تتبعني شتائمها وتصرخ . كل الشتائم كانت إلى حد ما محتملة إلى أن سبت أبوي فاندفعت بجنون لأحطم رأسها ، وأدوسها بقدمي ثم أبصق عليها ، لكنها كانت الأسرع .. أغلقت الباب بالمفتاح وهي تطفح بسخائمها:
تضربني أيها المتخلف .. سأوريك .
أغلي أمام الباب ، أحترق .. ربما فتكت بها تماماً لو لم تغلق الباب سريعاً .. الانتقام منها ، والانتقام فقط هو كل خياراتي .. خمس دقائق أو أقل وجرس الباب يدق بضجر .. فتحت الباب على ثلاثة شرطيين رجلين ، وامرأة .. سمعتهم دينا ففتحت بابها وقالت :
أنا التي اتصلت بكم ، صفعني زوجي هذا وأراد أن يفتك بي فهربت منه وأغلقت الباب واتصلت بكم .
الشرطية انتحت بدينا بعيداً لا أدري ماذا دار بينهما .. سألني الشرطيان عما دار فقلت :
سوء تفاهم ، وانتهى الأمر .
انتهت الشرطية من محادثة دينا فجاءت إليَّ وقالت :
لو سمحت .. حضر حقيبتك لتغادر الشقة ، يمكننا استضافتك هذه الليلة إذا رغبت .
قلت :
أشكركم ، لديَّ سقف يؤيني .
بينما أستعد للخروج ارتفع صوت بكاء علي ، الانجليزية كانت قد ألقت نظرة سريعة على ما يحدث ، كأنها كانت نائمة ، ثم أغلقت بابها .. طلبت الشرطية أن أنتظر للحظات .. انفردت ثانية بدينا ثم عادت ، وقالت :
زوجتك رفضت أن تحرر محضراً ، وادعت أن ما حدث سوء تفاهم لا أكثر .. يمكنك أن تبيت هنا .. لكن أرجو الهدوء .. إن أصررت على الخروج فسنحرر محضراً .
اطمئني حضرتك .. كل شيء قد انتهى .
تمنى الثلاثة لنا نوماً هادئاً ، وانصرفوا ، بعد أن أخذوا مني تعهداً بعدم الاعتداء .
ظللت ساهراً ، أقلب الأمر على كل وجه .. أأذهب إلى غرفتي المهجورة مخلفاً تلك الحرباء وابني الذي فتت بكاؤه قلبي ، أم أظل هنا إلى إشعارٍ آخر .. هدني التفكير حتى غلبني النوم ، أفقت من نومي لأهرول إلى عملي .. كانت دينا قد سبقتني إلى عملها .