الفصل 16

10 0 00

لم تكن لحياتي معها نفس الحرارة السابقة لكنها لم تكن ثلجاً .. تأتي البهجة وتذهب ، كما يأتي شعوري بالإثم ويذهب ، هذا الشعور يأتي فقط ليعذبني ، لا ليأخذ بيدي ، فأتخلص مما أنا فيه .. بعد كل لقاء حميم تذهب هي في نوم عميق ، وعلى وجهها أمارات السعادة ، بينما أنا أتعذب .. تزداد جمالاً ونضارة ، وإقبالاً على الحياة ، وأنا أتآكل ، يغزوني اكتئاب بغيض يتزايد باضطراد . تمنيت أن أكون مثل عماد .. يبدو سعيداَ وقد تخلص من كل تأثير لحياته في مصر ، وأنا أتنطع فلا أنهل منهله ولا أنا بالذي يقتات من جذوره الممتدة . ليتني أستطيع محو ثقافتي السابقة .. لا ، لا أتمنى هذا على الإطلاق ، فما بالي لا أحزم رأيي ، فاقداً الثقة في أن أنحو نحواً أراه هو الصحيح لا غيره .

يا إلهي : أو كل ما تفعله الآن مرجعيتي الدينية ألا يكون استمتاعي كاملاً بما أقترف من آثام ؟!

في زيارة من زياراتي إلى الشقة الظلماء لم يكن أمري مع دينا خافياً .. اتخذ صلاح موقفاً حيادياً . ما نصحني بتركها ، ولا حبذ استمراري معها ، كل ما قاله أن أحافظ على ما أكسبه لأجد ما أستعين به حين عودتي إلى مصر .. كنت أظن أن زكي مغيب بخمره لا يسمع ما أشار به رفيق غرفته فإذا به يطلق نصائحه وأن أتخذه عبرة فكأني أعيد قصته من جديد .. عمل زكي أول سنواته بجد واجتهاد يدخر كل ما يكسبه على التقريب ، لا يكاد ينفق شيئاً ، معظم ما يأكله من المطعم الذي يعمل فيه . إذا عنّ له الانفاق يحول في خاطره العملة الألمانية إلى العملة المصرية فيغل يده .. لا يعطي سجائره لأحد ، ولا يشتري إلا ما يحفظ حياته ، يدعي أن أسلوبه انجليزي ، وأنه أصح الصحيح .. تعرف زكي على ألمانية شهوانية قلبت حياته حتى أنه أصبح مسرفاً .. رافقته ما يزيد عن العام بقليل فذهبت مدخراته .. ملته الشقراء ، فتركته بعد أن هام بها . عبثاً حاول أن يعيدها لأحضانه فغرق في الشراب مع ذكراها . عاماً بعد عام خسر كل شىء وإنتهى به الأمر إلى هذه الشمطاء . نصحنى ان أعود إلى مصر ولو كنت خالى الوفاض فما زال لدى شبابى.. بكى زكى صحته وشبابه بكلمات معبرة، وإدعى لو أنهما معه ما بقى فى برلين لحظة . إعترض صلاح على ما قاله رفيقه ذاكراً أن كثيرين من المصريين تزوجوا بألمانيات ونجحوا نجاحاً باهراً . منهم من يعمل مهندساً في شركة مرسيدس للسيارات ، راتبه مهول وأسرته متماسكة وزوجته الألمانية اعتنقت الإسلام وسهرت على تربية أولادها وبناتها كأحسن ما يكون .. ومنهم الطبيب ، والصيدلي ، وتاجر السيارات ، وصاحب سلسلة مطاعم .. معظمهم فعل الأفاعيل لكنهم في النهاية ناجحون ومعظمهم عاد إلى تدينه ، ومنهم من تشدد في تدينه إلى أبعد الحدود .

وأتى صلاح على ذكر عماد : في مقتبل حياته في برلين لم يترك عماد ذنباً دون اقترافه .. لا تسألوني عن ذنوب عماد غير تقلبه في أحضان عدد عجيب من النساء ، لكن عماد الآن يكسب الكثير ويحافظ على ما يكسبه ، وانطفأ هيامه بالنساء إلا من مداعبات سطحية تخدم تجارته لا أكثر . وأفزعني خاطر : إذا كان زكي ، هذا المغيب قد عرف قصتي ، وصلته تفاصيلها في قمقمه ، إذاً قصتي يعرفها كثير من المصريين ، وكأن الهواء يحملها .. ماذا لو حملها أحدهم إلى مصر ، لتصل إلى والدي بطريقة من الطرق ؟

ماذا لو علم الرجل ذو الفطرة الصافية أني أعاقر الخمر ، وآكل لحم النساء ؟! .. ماذا لو تناولت قصتي الأسماع في قريتي ؟ .. قصة ذلك الفتى وكانوا يرونه صالحاً ، يعتاد المساجد ، ويجتهد في العبادة !

أخذت أجلد ذاتي .. كأني أجلد جثة هامدة !

أتقوقع ، ويزداد تقوقعي .. بدأت أزهد في كل شيء ، في العمل ، في الخروج ، في المأكل والمشرب ، حتى في فتنة دينا ، أزهد في أنفاس الحياة ، تمر أيامي كضيف ثقيل أود لو يتزحزح . لكني أخشى من فراغ رهيب ، فراغ دينا .. أجد نفسي بين قطبي رحى يدوران فيدمراني : ثقافتي المتجذرة ، والفتنة الساحقة ! .. كأني أدفن رأسي فقط في الرمال ظن الهرب .

بالطبع تقرأ دينا ما يدور في أعماقي ، تلحظ كل تغير يطرأ على وجهي ، وكل جديد في سلوكي .. أتحفت مائدتها بالطعام والشراب ، واستحضرت ابتسامة ساحرة .. أطعمتني ، وسقتني بيدها عطفاً وحناناً ، وربما شفقة .. جلست على فخذي ، تداعب شعري بحنان أم ، وطفقت بصوتها الآسر ، محملاً بعبق أنوثتها الفواح ، تحاول غسل همومي :

لا تعذب نفسك هكذا . أشعر بعذابك ، وأتعذب من أجلك .. أحاول إسعادك بكل الطرق ، واضح أني فشلت ، وهذا أكبر فشل في حياتي . لماذا لا تفتح لي قلبك ؟ وأنا أعطيتك قلبي ، نفسي ، وكل شيء .. أفديك بروحي راضية ، لا أتأخر لحظة .. دعني أشاركك همومك ، أحملها عنك ، أو أحملها معك .

نعيش معاً بلا زواج .. ضميري يعذبني . نحن مختلفان تماماً .. قبل أن ألقاك وطيلة عمري كنت متمسكاً بديني .. أعيش معك كمن لا دين له .. أنتِ غربية حتى النخاع ، وأنا شرقي من أصابع قدمي حتى رأسي .

لا تعرف شيئاً عني ، لم تعرف حكايتي :

أنا أتعس مما تتخيل .. قتل أبي أمامي وأنا طفلة صغيرة .. اغتالته رصاصات الغدر في بيروت ، وماتت أمي حزنا عليه بعد عام واحد .. ربيت كقطط الشوارع ، أخدم في بيوت من لا يرحمون ، أعاني من ذئاب الرجال ، وطيش الصبية ، وغيرة النساء في بيوت المخدومين ، أطرد من بيت إلى بيت ، كل بيت على شاكلة سابقه ولاحقه ، حتى كرهت حياتي وفكرت في الانتحار لأكثر من مرة ، إلى أن التقطني من تزوجني أحرقه الله .. أتى بي إلى هنا .. عاملني ككومة من لحم أبيض لا مشاعر لها، ولا حقوق .. كل لقاء بيني وبينه كان بمثابة اغتصاب لي ، أبكي بعده دماً .. ضربني بلا رحمة ، حبسني داخل جدران أربعة يغلق الباب بالمفتاح إلى أن يعود ، ولا يعود إلا آخر الليل .. اقتنصت أول فرصة للهروب لا أدري إلى أين ، أجري في شوارع برلين وأبكي كالمجنونة ، الموت أفضل من عودتي إليه ، وبرد برلين أرحم ألف مرة من دفء سجنه .. أخذتني الشرطة الألمانية ، عرفوا حكايتي من خلال مترجم عربي ، أحضروه ، وقفوا إلى جانبي .. أسكنوني بغرفة خاصة ، وتولت الهيئات المختصة أمر تعليمي اللغة ، ثم تدريبي على الحرفة التي اخترتها .. أبي كان مسلماً سنياً ، هذا ما هو مكتوب في أوراقه رحمه الله ، وأمي كذلك ، والملعون الذي تزوجني لكن ما علمني أحد شيئاً من الدين ، ولا ربيت في أسرة مستقرة ألتقط عاداتها وتقاليدها .. أصحاب الفضل عليّ بحق هم الألمان ، بمعاملتهم معي شعرت بأني إنسانة ، وبتعليمهم لي أصبح لي كيان .. كل الرجال الموكلون بمساعدتي لم أر منهم نظرة الذئاب ، وكنت أراها في عين كل مخدوم في بيروت .. أشعر بالامتنان لهذا البلد .

حينما رأيتك تصورت أنك الفارس الذي سيعبر بي بر الأمان .. أحببتك كما لم أحب أحداً من قبلك ، ولا أتصور أبداً أن أحب أحداً بعدك فإذا بك تهرب مني .. أصعب ما يمكن تخيله أن تكون أنت ذئباً كالذئاب .. قلت أني غربية حتى النخاع .. هذا صحيح ، لكن من علمني شيئاً له الحق أن يسألني .. أنا عجينة طيعة بين يديك . شكلني كما تريد .. عشت معي أيها الشرقي بلا زواج .. عشت معي كأنك غربي ، وتلومني ولا تلوم نفسك .

لم تكن حكايتها على قلبي برداً وسلاماً ، بل أثارت شفقتي عليها ، وتعاطفي معها ، وأسفي على ما حدث لها ، وأيضاً مشاعر الحذر فقلت أتحسس كلماتي ..

أعتبر حياتي معك بلا زواج أكبر خطيئة في حياتي .. سامحيني وحاولي أن تفهميني .. شعوري بهذه الخطيئة ينهشني كما ترين .. أما أنتِ فلا تشعرين بأي ذنب ، هذا هو الفرق بيني وبينك .. الفرق الذي يمكن أن يساعدني على تجاوز الخطيئة .. تعرفين أيضاً أنه من الصعب أن يرفض الرجل امرأة تهبه نفسها ، لكن سهل جداً أن ترفض المرأة رجلاً يرغبها .

أتحسبني داعرة أهب نفسي لأي رجل ؟!

لم أتلفظ بذلك لكني أقول بأنك غربية ولم تنكري ذلك ، والغربية تهب نفسها لأي رجل ترغبه ولا تعتبر ذلك نقيصة أو عيباً .

رغم ذلك تجرون وراء الأوروبيات ، وتغفرون لهن ، وقد تنسون كرامتكم بغية الزواج من إحداهن .. اعتبرني أوروبية أحببتك .

ليس الأمر بهذه البساطة .. على الأقل بالنسبة لي .

إشرح لي ما في الأمر من تعقيد !

وجدت من الأفضل أن يقف الحديث عند هذا الحد .. رأيت الدموع في عينيها ، أحسبها دموعاً صادقة ، سقط بعضها في أعماقي .. قبلتها قبلات خفيفة .. طمأنتها ووعدتها أني لن أتخذ قراراً منفصلاً ، سنتداول أمورنا معاً ، يدلي كل منا بدلوه ، وأن القرار سيكون قرارنا معاً .