استمرت حياتنا معاً بضعة أيام ، لم يحاول أحدنا جر الآخر إلى مثل هذا الحديث السابق .. حياتنا في خريف يتوقع نذر شتاء قد يكون ثقيلاً .. بدونا كزوجين انتهيا من شهر العسل وعليهما أن يعودا إلى تيار الحياة بصخبه وضجيجه .. تظهر فكرة الانفصال في أفقي كسحابة عابرة لا تلبث أن تولي الأدبار ، ثم تعود .. أحسب ألف حساب لذلك الفراغ الموحش الذي تركه الهروب من دينا في نفسي .. أحسست بحاجتي لعماد .. كان قروياً مثلي ، ومن المفارقات أنه كان يصلي ويصوم ، وظل فترة طويلة متمسكاً بما كان عليه في قريته . اتجهت إلى الشارع الرئيس وقت أن كان يجمع أشياءه ايذاناً بالعودة إلى منزله.
طلب مني بأريحية أن أساعده ، في بضع دقائق انتهينا ، ثم اتجهنا إلى مسكنه .
غرفة كبيرة ، لا تعرف التنظيم ولا النظافة .. أربعة أشخاص حول مائدة يلعبون الورق ، بالكاد ردوا سلامنا ، منهمكون في معاركهم الورقية .. صورهم ليست بعيدة كثيراً عن صورة زكي .. يدخنون سجائر عامرة بمخدر الحشيش ، رائحته نفاذة تقتحم الأنوف ، فالنوافذ مغلقة .. طلبت أن أجلس معه على انفراد .. فأشار : وهؤلاء الأوغاد .. دعهم فيما هم فيه يا عماد .. قصدنا مقهى قريباً بعد أن اشترط عماد أن أدفع ثمن ما نشرب فوافقت على الفور .
أريد أن أستفيد من تجربتك يا عماد .. أنا في حيرة من أمري ، تعرف ما دار ويدور بيني ودينا .. فقدت الشعور معها بالسعادة ، وفقدت القدرة على التخلص منها .. بدأ الملل اللعين يعذبني .. دينا كانت قد طلبت مني الزواج فهربت كما تعرف ثم عدت إليها كالحمل .. بالتأكيد ترجيء الكلام عن الزواج إلى أقرب فرصة سانحة .. أراك من أسعد الناس .. كيف ؟
طلب مني عماد ألا أقاطعه بعد أن حمل وجهه من الأسى والحزن ما أدهشني بشدة :
أتظنني سعيداً ؟ .. خاب ظنك يا صديقي .. أحزاني فوق تحمل البشر .. ضحكاتي مع الناس وقفشاتي إن هي إلا رد فعل .. أحاول الضحك على نفسي ، التحايل عليها ، كي لا أنتحر تخلصاً من حياة تافهة .. ماذا أبيع أنا ؟ .. تفاهات لتافهات .. أشعر أني نصاب ، نصاب حقيقي حين تنقدني إحدى التافهات ثمن ما أعجبها .
بلد لعينة ، أتت على كياني .. أسوأ أيام حياتي أعتبره يوم وصولي إلى هنا .. حين تعرفت عليك عليك لأول مرة حدست أنك عماد آخر ستلتهمه المدينة المفترسة .. لو استطعت لحملتك رغماً عنك وقذفت بك ثانية إلى قريتك .
قلت : أخشى أن أكون قد نكأت جراحك .
جراحي لم تندمل .. مفتوحة دائماً كجروح الحمير البليدة في قريتي .. جئت في مثل سنك ، قروي متدين مثلك ، أقاوم غرائزي ، أهرول من مسكني إلى عملي ومن عملي إلى مسكني كمرصود مطارد ، والناس من حولي يرتعون كالبهائم ، ولحوم العاريات الفاتنات تخرج لي لسانها ، والموجات العارمة للحياة الصاخبة تلاطمني حيثما وجدت في المطعم ، في المتجر ، في الشارع ، في الاعلانات ترهبني .. اقتادتني زوجة صاحب المطعم الذي أعمل به إلى منزلها بينما زوجها في رحلة خارج البلاد وأطلقت شياطيني .. أقمت معها لأسبوع رحلة زوجها ، ثم أوصت بي صديقاتها .. ضميري يجلدني بعد كل لقاء ، أجلد ذاتي بقسوة لكن شياطيني قد تحررت من قماقمها وأنى لها أن تعود .. عشت مع إحداهن لما يقرب من عام .. أردت أن أريح ضميري .. طلبت منها الزواج فلم تمانع .. زواج !! كنت أظن أن مثل هذا الزواج يريح ضميري ، لكنه كان كالمخدر يغيب الشعور بالألم ، ولا يقضي عليه .. لا أطيل عليك .. أنجبت منها طفلة .. ركبها الملل ، تغيب عن البيت لفترات تطول ، وتطول أكثر .. لا داعي للاستطراد .. أخذت ابنتي وتركت برلين لا أدري إلى أين .. أتعرف كم عمر هذه البنت الآن ؟ عشرون عاماً .. أتعرف ماذا يعني هذا ، وما تأثيره حينما يلسعك تذكره ؟!
آسف جداً يا عماد أني ذكرتك !
وهل نسيت حتى تذكرني .. ليالٍ بطولها لا أعرف النوم ، تلعب بي شياطين تعرف كيف تسخر مني ، وتزلزل أعماقي ، وتحرق أعصابي .
إذاً لماذا نصحتني بالاستمرار مع دينا ؟
عانيت قبلك من التمسك بالدين وأخلاق القرية ، كنت أحترق احتراقاً كل يوم بل وكل ساعة وكل لحظة ، أكاد أقتل عطشاً والماء الزلال ينساب أمامي في كل مكان .. أرى أن انهيار مقاومتك حتمي فلم العذاب ؟ .. أشفقت عليك من عذاب لا يحتمل عانيته قبلك ولا طائل من ورائه .. يبدو أن هذا قدرنا يا صديقي ، وعبث أن نقاوم الأقدار .. ماذا لو نصحتك بالعودة إلى وطنك ؟ .. يعني أن أعيدك لنقطة الصفر ، فظروف بلادنا التي هربت أنا منها وهربت أنت يبدو أنها مزمنة .. هذا ملخص مبتسر لقصتي ، يصلح تماماً لأن يكون ملخصاً لقصة الذين تركناهم يلعبون الورق ، ويغيبون أنفسهم خلف سحب الدخان الأزرق ، والتنطع ، والخمور . ربما كنت أفضلهم فتجارتي شبه رائجة ، أقرضهم جميعاً ، يفيض دخلي عن حاجتي ، وتعرف أنت وغيرك أحوالهم .
دعك من حكايتي .. لتخرج من علاقتك بها بأقل الخسائر .. كل الخسائر محتملة إلا أن تنجب .. الانجاب ذيل لحكايتك معها لا يمكن قطعه ، جرح سيظل نازفاً ما بقيت لك حياة سواء استكملت حياتك هنا ، أو عدت إلى قريتك .. لا أعتقد أنها جادة في طلب الزواج ، فلا تدخله في مناقشاتك معها .. تقول أنك تشعر بالملل ، لو تركتها ستشعر بفراغ لن يملأه إلا واحدة أخرى .. انزلقت إلى الدوامة يا صديقي .. أعتقد أنك لن تستطيع الهروب منها الآن إلا إلى أخرى.. ربما كانت أفضل من غيرها .. تأقلم معها طالما أردت أن تقيم في هذا البلد .. حافظ على ما تكسبه بأي شكل من الأشكال ثم اهرب إلى قريتك وتزوج ، حينها يمكن أن تنساها .. لتكن عودتك أقرب ما تستطيع وقبل أن يفوت الأوان ، فأنت مازلت في مقتبل العمر .. أنا لا أستطيع العودة إلى مصر ، مرَّ وقتي .. سرق مني دون أن أدري .. لمن أعود وقد مات والداي ، وتفرق الأخوة والأخوات كل إلى عشه ولا أدري شيئاً عن أصدقائي ، أظنهم تآكلوا ، وبالطبع تغيروا .
وماذا لو طلبت الزواج وأصرت عليه يا عماد ؟
لن تطلبه وإذا طلبته فماذا سيتغير ؟ ربما كان ذلك أدعى لراحة ضميرك .. للزواج عند مثيلاتها معنى مختلف كالألمانيات .. إنه مجرد ورقة لا تجبر على العيش إذا أراد أحد الطرفين فض العلاقة .. أعرف كثيرين مازالت الأوراق تثبت زيجاتهم بينما زوجته مع آخر ، وهو مع أخرى .. إن أصرت تزوجها لكن لا تنجب ، وحافظ على كسبك .. هذا كل ما أستطيع قوله لك .. خلاصة تجربتي المريرة .
زادت همومي بعد لقائي بعماد .. أشعر بحاجتي إلى التحدث مع صبحي .. عجبت إذ كلما التقيت بعماد شعرت بحاجة إلى لقاء صبحي ، لكن كيف أريه وجهي ؟ .. كان الوقت متأخراً .
قادتني قدماي إلى دينا التي تنتظر .
بسمة عذبة ، وقد أعدت هيأتها على أحسن ما يكون ، وبلهفة حبيبة قالت :
تأخرت كثيراً .. كادت معدتي تأكل نفسها .
ولماذا كل هذا العذاب ؟
كيف يطيب لي مطعم أو مشرب بدونك ، أو تطيب حياة ؟
رائعة يا دينا ، في سلام مع نفسك ، لا شيء يتخبط في أعماقك ، رياحك تجري على ما تشتهي سفينتك ، والمجتمع حولك متسق مع ما بداخلك .
معدتي خالية منذ ساعات ، رغم ذلك لم أشعر برغبة إلى طعام .. أكلت شارداً ، أمضغ كمريض مرغم .
.. أطعمتني دينا بيدها كثيراً حتى ضقت بها ، وبالطعام ، وكدت أغادر المائدة صاخباً ، لكنها تعرف الحدود الآمنة .
أعرف أني في دمك ، أجري في عروقك ، كما تجري في دمي وعروقي .. أعرف أنك تتمنى التخلص مني ، وأعرف أنك لن تستطيع ، وأعرف أيضاً أنك قدري ، وقدري الجميل .. قدرنا أن نعيش معاً ، ورضيت تماماً بقدري وأحببته ، فلماذا لا ترض بقدر لا مفر منه .. صارحني ولن أغضب ، لا تخف عني شيئاً أياً كان .. شاركني همومك ، لأحملها معك ، وربما حملتها عنك كلها .. سيكون كل شيء على ما ترغب ، ما من مشكلة إلا ولها حل .. كل ما تطلبه مني سأفعله وأكثر .
أعدك أن أصارحك بكل شيء ، لكني الليلة ...
لست متعجلة .. اختر الوقت الذي يناسبك .
ورفعت كأسها .. مثمرة يا دينا .. حديقة عامرة !