بالطبع أنا أسعد منه حظاً .. كلي يقين ولأسباب مجهولة أنه مهما كانت الظروف ، ومهما تربصت بي أحداث الحياة ، فلن أكون "صبحي" آخر .
كأن صبحي قد مورست عليه بمنهجية شيطانية كل أساليب معتقلات النازي ، وجحيم سلخانات الستالينية بالاتحاد السوفييتي ، وجهنم الحمراء في سراديب العالم الثالث .
كأنه قد أخضع لتجارب أساليب تعذيبية جديدة جادت بها قرائح الشياطين فأصبح على صورته الأخيرة ، صورته التي حفرت في عمق ذاكرتي :
العينان الكسيرتان ، المرتبكتان ، لا تستقران على شيء ، اللهم إلا النظر إلى مواقع الأقدام ، وكانتا مقتحمتين ، متوقدتين بالحيوية والذكاء ، والإقدام .
ما ظننت أن رأسه يمكن أن تنحني يوماً ، أو تعرف الاستسلام ، فها هي منحنية دوماً ، مستسلمة تماماً.
يمناه التي كانت في حركة مسرحية دائبة تساند كلماته ، تشرحها ، وتجسدها ، تساعدها يسراه .. كأن شللاً قد أصابها !
صبحي الذي كان لا يستقر به مكان مهما كانت سعته ، يكفيه الآن متر مربع من الأرض ، ويزيد . كأن عضلاته قد فقدت كل ماء ودماء ، وتفككت أوصاله عن آخرها .
وجهه الذي كان منمقاً رغم ذقنه المعفاة ، أصبح كقطعة أرض هجرها الزراع فاحتلتها النباتات الشيطانية!
على هذه الشاكلة تكون ملابس صبحي ، وقد كان أنيقاً في جلال ، أهكذا تنطق ملابسه بالاهمال ، وتجهر باللامبالاة ، وتنتشر عليها البقع بمختلف الأشكال والأحجام كبثرات قميئة ؟!
كنت ملاذي "يا صبحي" من هجير الأيام ، أستمد من كلماتك الروح ، والأمل ، أشرب نصائحك تباعاً وأخرج من بين يديك كأني خلق جديد .
أيمكن أن نتبادل الأدوار فتستمع الآن لنصحي ؟
أظن أن أذنيك قد فقدتا السمع ، وعقلك في غياب ، هجرت دنيانا وإن كان قلبك مازال يضخ الدماء إلى أنسجتك !
أين تأثير كلماتك التي كنت تضخها ضخاً كأنك تمتح من نبع لا يغيض؟
كنت تمنحنا القدرة على مواجهة المتاعب ، فأين قدرتك ؟
ألم تقل مراراً أن الإيمان قوة قاهرة ، وسلاح بتار لا يقف أمامه خطب ؟ .. لو تسترجع كلماتك يا صبحي ، لو يصحو إيمانك من سباته لتغيرت صورتك تماماً لترجع صبحي الذي نعرف . أوقن بصدق ما سمعته منك .. أعرف إخلاصك لما كنت تدعو إليه ، وكم التضحيات من وقت وجهد من أجل الدعوة .
حسبناك من المؤمنين الأقوياء المخلصين ، وها أنت تهدم على هذه الصورة المؤسفة بسرعة وتنسحب من دورك في الدعوة إلى الله ، والحياة .. تترك المتن وتعيش في الهوامش !
لن أكون مثلك يا صبحي ، أبداً لن أنهار انهيارك .. ما زالت تنير لي الطريق نصائحك وكلماتك ، فقد قيل رب سامع أوعى من قائل !
كثيراً ما انتابتني لحظات ضعف خطيرة ، تمنيت على أثرها الخلاص من الحياة كلها بالموت مرات ومرات .. ما أبعد فكرة الانتحار عني إلا الوازع الديني تغذيه كلماتك .
حين سلطت عليَّ الغيرة أسلحتها الفتاكة ، أحالتني إلى مجنون لا يستقر بي مكان ، ولا تسعني أرض ، لا أستطيع حتى الجلوس ، وهرب مني النوم ، وأخذت عيناي لون الدم ، ودكت رأسي بمطارق الشكوك الثقيلة المتواصلة ، لا تعرف الرحمة .. ربما كان عندي الحق ، بعضه أو كله ، فكل تصرفات دينا كانت تكرس كل شك ، لكن الشكوك أبداً لم تتحول إلى يقين .. لو كان لدي اليقين لانتهت العذابات . يقولون أن وقوع الشر أسهل ألف مرة من انتظاره .. قول أيقنت تماماً صحته. ليلةً كنت أتابع برنامجاً تليفزيونياً ألمانياً يعالج المشاكل العاطفية والجنسية ... شرطية ألمانية تحكي حكايتها :
عملت لعشرين عاماً مع زميل ، شرطي مثلها ، ليلاً أو نهاراً .. طوال هذه المدة حاول إغواءها دؤباً خاصة عندما يكون العمل ليلاً ، كلمات حب وهيام ، ما سمعت مثلها من زوجها ، وتحرشات مستمرة كانت توقفها عند حدود آمنة .. إنها زوجة ، ومخلصة لزوجها ، لا تفكر إطلاقاً في خيانته .. لكن العاشق الولهان لم ييأس ، وواصل محاولاته رغم كل الصدود ، معلناً أنها حبه الوحيد ، وأمل الآمال ، وبدونها لا قيمة لحياته .
كثف محاولاته وهي لا تلين ، إلى أن أقسم مكرراً قسمه ومغلظاً : أنه سينتحر إن لم ينلها هذا الشهر ، محملاً إياها مسئولية انتحاره .
ماذا يضيرها لو استسلمت له لمرة واحدة ؟ .. مرة واحدة تنقذ بها حياة رفيق عمل طويل ، وأكثر النساء حولها يفعلن تلك الفعلة لأسباب واهية وأحياناً بلا أسباب ؟
أدركت أن تهديده حقيقي ، وأنه سينتحر لا محالة ، فسلمت له جسدها بارداً ، لا روح فيه ، ولا رغبة ، ولمرة واحدة .. على الفور انقلبت حياتها إلى جحيم ، لا تعرف نوماً ، ولا تقرب طعاماً ، ولا تستطيع النظر إلى عيني زوجها .
لزمت الفراش ، وظنت أنها النهاية ، ولا سبيل إلا عفو الزوج .. حاولت مرات ومرات الاعتراف لزوجها لكن لسانها كان يخذلها كل مرة ، لا ينطق حرفاً .
وسألت ما الحل .. وكان الرد :
يكفي ما نالك من عذاب ، يكفي جداً لتطهيرك من الذنب .. عزمك أكيد على حفظ عهد الزواج المقدس .. لا تعترفي أبداً لزوجك فالرجال لا يغفرون .. أبداً لا يغفرون !
ودارت رأسي:
عشرون عاماً من الاحتكاك المباشر والميسور بين ذكر وأنثى ، ويطول الوقت ، وتتكرر الحالة ولم ينل الرجل منها إلا كما ذكرت .
يحدث هذا في مجتمع لا قيود فيه ، إلا قيود الضمير .. مجتمع يمارس فيه الجنس في كل وقت ، وفي أي مكان ، وقد لا تسبق ممارسته إلا بضع دقائق لتعارف طرفيه ، وتوافق الرغبات ، أو طلب صريح مباشر ، لا لبس فيه واستجابته سريعة من الطرف الآخر .. مجتمع يعتبر الحاجة إلى الجنس حاجة بيولوجية أساسية كالحاجة إلى الطعام .
وحوادث الاغتصاب الكثيرة في هذا المجتمع المفتوح ، وفيها قد تهب الضحية روحها ولا تسمح باغتصابها ، رغم تعدد علاقاتها ، لكن حسب رغبتها !
في نوبة من نوبات الغيرة المجنونة التي اعترتني .. حاولت دينا التخفيف عني ، ومراجعتي ونصحي :
غيرتك هذه يا حبيبي محض تخيلات ، أوهام سببها الرئيس ثقافتك الشرقية التي تعني اختلاء أي ذكر بأنثى نتيجتة الحتمية وقوع الجريمة المرعبة .
يجب أن تفهم المجتمع الجديد الذي تعيش فيه ، وتعرف ثقافته .. الأمر هنا مختلف تماماً ، وقد اختليت أنت بأكثر من أنثى خلال عملك ، فهل وقع المحظور ؟ ثق تماماً أنه مهما راقب الرجل زوجته ، وضيق عليها حتى كتم الأنفاس ، أنها لو أرادت خيانته لكان لها ما أرادت .
المسألة مسألة ثقة ، أولاً بالنفس ، ثم بالطرف الآخر . إن لم يثق الرجل بزوجته فالأفضل لهما أن يتفرقا.
أحبك يا مجنون .. لا أريد رجلاً غيرك .
لو اختلى بي كل رجال العالم ، رجلاً وراء رجل لما نال مني أحد شيئاً .