الفصل 13

11 0 00

أصبح الصباح . استيقظت دينا ، نشطة ، مرحة ، سعيدة . أخذت تقبلني وتهدهدني حتى استيقظت .. الصداع يطحن رأسي ، أبدو مريضاً .. بادرتني قائلة :

لا تنهض يا حبيبي .. حالاً سأحضر الإفطار .

أومأت برأسي موافقاً ، والوهن والحزن يحتلان أعمق أعماقي . يسمع غناؤها وأصداء حركاتها النشطة في المطبخ .. تدور رأسي :

ماذا فعلت يا سامي ؟ ماذا حدث لك ؟ .. بهذه السرعة يتهاوى بناؤك ، تتوارى ثقافتك فزعة ، ويهرب تدينك ، تتبخر وصايا والديك ، ويتوقف عمل دعائهما .

جلساتك بين يدي الشيخ الطيب ، وأمام صبحي ، صلواتك وصيامك طوال عمرك ، قراءاتك المديدة في الدين وأخلاقياته ، حواراتك العديدة حول الدين ، والأخلاق ، ومواريث الشرق ، قناعاتك الكاملة غير المنقوصة بدينك ، وقيمه ، وثقافته ، وما ربيت عليه من تقاليد راسخة .. ما الفرق بينك وبين زكي وأمثاله ، مسألة وقت فقط وتجلس مثلهم في غرفة ظلماء تجرع سموم الكحول ، وتلعن الظروف والأيام ، وتبكي على الماضي إن تذكرته .

وانهمرت في بكاء مرير ، حاولت أن يكون صامتاً ، ولم أستطع .. ارتفع نحيبي في صورة هيستيرية .. هرعت إليَّ دينا هلعة :

ما بك يا حبيبي ؟ أأتصل بطبيب الطواريء ، أم أصحبك إلى المستشفى ؟

استمر بكائي الانتحاري .. تحاول جاهدة معرفة السبب .. أخذتني إلى صدرها ، تسكب حنانها ، تهديء من روعي ، تسألني برقة عن السبب:

أنتِ هدمتني ، حطمتِ حياتي .

ابتسمت ابتسامة ماكرة ، واطمأنت تماماً ، وصبت عليّ قبلاتها وأحضانهاوقالت :

اهدأ يا طفلي العزيز ، لا بأس يا صغيري .. قم إلى الحمام وسينتهي كل شيء ، لن أذهب اليوم إلى عملي ، سأظل بجانبك ، سأعتذر لصاحبة العمل وإن لم تقبل اعتذاري فلتفصلني ، أنت أهم شيء في حياتي .. لابد أن تعتذر اليوم عن العمل ، لن أتركك تذهب أبداً على

حالتك .

انسحبت إلى الحمام ، أتحاشى النظر إلى وجهها ، انسابت دموعي صامتة ، وسرى الاعياء مصحوباً بالبرودة إلى أطرافي ، والصداع يطرق بمطارقه القاسية رأسي .. تركت الماء ينساب كثيراً على أجزائي .. أأتطهر الآن بهذا الماء ؟ أيمكن أن أصلي في هذا المسكن بعد تطهري ؟ .. كيف ستكون وقفتي أمام الله في صلاتي ؟ .. خرجت من الحمام إلى سريري .. خجلت أن أصلي .

لابد أن تنام .. سأظلل بجانبك .

كيف لي أن أنام ؟ ، وعلى أي شكل ستظلين بجانبي ؟ .. وماذا بعد ؟! .. ظللت في السرير كأسير لا حول له ولا قوة ، لا أرضى بوضعي ، ولا أسعى إلى تغييره ، ولا أجد تفسيراً لما أنا فيه ، غير قادر على التفكير .. مستسلم إلى حد غريب .

ودينا تجوس في مطبخها ، ويرتفع صوت غنائها السعيد .

لا أعرف كم من الوقت استغرقني النوم . حين فتحت عيني وجدتها أمامي .. قفزت فرحة إلى جانبي ، وانهمر حنانها دافقاً معطاءً غلاباً .. سريعاً ، سريعاً اندفعت إلى عالمها كأني أسقط من علٍ .

يبدو أن الماضي من أيامي قد تدثر بأحزانه وانطوى على نفسه ، وأني تركته ورائي مستقبلاً العالم الجديد .. وجدتني أداعب دينا .. أتأملها .. كل تكوينها رائع وفاتن .. أشتهيها .. أقبلها .

لم أبك هذه المرة ، ولم أسائل نفسي الأسئلة السالفة .. يبدو أن دينا أدركت حالتي الجديدة بذكاء حواء ، فقالت :

أنا أسعد إنسانة في الدنيا ، أرجو أن تكون في سعادتي .

أعربت أني في مثل سعادتها وأكثر ولم أك صادقاً تماماً .. تناولنا طعامها الشهي معاً .. أطعمتني بيدها المرمرية أكثر ما طعمت ، ثم ارتدينا ملابس الخروج لنستنشق هواءً جديداً .. سرنا سير العاشقين في كل خطوة أبتعد عن ماضيّ خطوات ، تأخذني ثرثرتها الثرية الشهية .. اقترحت أن نذهب إلى المقهى إياه وقد أسمته مقهى حبنا .. مر الوقت سريعاً حتى أوغلنا في الليل فسرنا إلى عش حبنا .. أعدت دينا العشاء سريعاً ، شاركتها في إعداده ، نتبادل القبلات حيناً بعد حين .. تناولنا عشاءنا .. رفعنا معاً أدواته ، نظفناها وأودعناها أماكنها .. أحضرت دينا نبيذها وكأسين .. أطفأت الضوء القوي وأضاءت ضوءاً خافتاً حالماً .. شربنا ، وتهنا معاً في عوالم مخملية ، آخذة .

تسلل ضوء ماكر للصباح من مكان ضئيل لم تغطه الستائر الكثيفة ليسقط علينا جنباً إلى جنب ، معلناً عن يوم جديد ، أول ما فعلت فيه طلب إجازة مرضية .. صدق صاحب العمل أني مريض بالفعل ، وتمنى لي الشفاء .. أنا فعلاً مريض ، مريض بكِ يا دينا ، مريض يبدو أنه لن يرجو شفاءً ، ولا يأمل فيه !

كأننا زوجان في شهر العسل ، تمر أيامنا عسلاً خالصاً ، بعيداً عن الماضي والمستقبل أعيش معها اللحظة ، وليكن بعد ما يكون ..

كأن دينا ترسمني بريشتها ، غيرت مظهري تماماً .. تخلصت من معظم ملابسي واشترينا ملابس جديدة .. هي التي تختار ، حتى أصبحت على الصورة التي تروق لها .. قصت شعري قصة جديدة أيضاً على ما ترى ، وأنا كالمسوق لا أبدي اعتراضاً ، بل وأثني على ذوقها .. تغرق وجهي بالكريمات ، وتنتقي لي أثمن العطور .

بعد أسبوع عدت إلى العمل بمظهري الجديد . صاحب العمل أبدى دهشته البالغة بنظراته وكلماته . ما أن ينتهي يوم العمل حتى أعود إلى عشي الجديد طائراً مشوقاً ، فأجد دينا في مظهر مختلف ، كأنها امرأة تتجدد كل يوم ، كأن لها ألف وجه ، وألف صورة ، بحر من فتنة لا تهدأ موجاته ولا تنتهي . حديقة مختلفة الثمار ، والأزهار ، والأريج ، ألتهم ثمارها ، وأقطف أزهارها ، ويذهلني العبير .. أنعم بالحضارة على أبهى صورة ، برخائها ، وفرتها ، وسخائها ، بالحرية التي كفلتها ، وتسهر عليها .

كنت قد نسيت غرفتي ، خطر لي أن أتفقد صندوق بريدي فذهبت إليها .. خطاب من والدي .. أخذت الخطاب .. تكاسلت عن فتحه ، كأني لا أريد قراءته . خطاب والدي كنت أنتظره نافد الصبر ، أقبل مظروفه ، وطابع بريده ، وأسرع لالتهام سطوره ، أستحلب كل كلمة فيه مرات ومرات ، وأمسك القلم في اللحظة لأكتب الرد ، ما بالي ألقاه اليوم بارداً . كان دوماً ريحاً طيبة من الأحباب ، وبلد الأحباب فإذا به اليوم كسحابة تنذر بالرعد ، والبرق ، وكثيف الأمطار .

فتحت الخطاب أخشى حدس الوالدين .. الخطاب روتيني يحمل السلام ، والأشواق ، وخالص التمنيات.

ذهبت إلى شقة دينا يثقلني الخطاب ، يبطيء خطواتي ، ويرسم الوجوم على جبيني ، فزعت دينا وأسرعت تسأل عما بي . انطلقت ضحكاتها حين علمت بالأمر . اقترحت أن أكتب الرد حتى لا أثير قلق والدي ، فاستحسنت .. صنعت لي كوباً من الشاي أستعين به على المهمة التي أصبحت عسرة .. الكلمات لا تأتي ، والقلم كسيف .. حاولت جاهداً رص بعض الجمل ، أتت خالية من الروح ، متنافرة ، ثقيلة ، وقليلة .. انتهيت من كتابة الخطاب بشق الأنفس ، وضعته في مظروفه .. توالت على رأسي السحب السوداء .

لابد أنها ذكية ، بل وحادة الذكاء .. طوقتني بحنانها ، تطارد تلك السحب بحذق وحرفية حتى ذهبت عن سمائي ، وعادت الأجواء المخملية .. الأضواء حالمة ، المحيط هاديء ، جميل ، وآسر ، وحورية هي الفتنة ذاتها ، تنثر الحب والدلال ، والغواية طوع بنانها !