الفصل 18

11 0 00

كدت أشتبك معه بالأيدي ، أسبه وألعنه ، لكن عماد تدخل في الوقت المناسب .. قبل ذلك بقليل فكرت كثيراً في الذهاب إلى صبحي ، ولم تواتني الجرأة ، فأرجأت الأمر إلى وقت آخر .. أنظر إلى عماد ، حركاته ، كلماته ، مغازلاته واتساق كرشه مع هذا كله يضيف إليه جمالاً فريد النوع ، ما رأيت قبلاً كرشاً يضيف لصاحبه ولا يأخذ منه .. أظن أن عماد سيخسر كثيراً لو خسر كرشه .. كنت أحياناً أرقبه من بعيد ، فأضحك بعمق ، ثم أذهب إليه .

قصدته لأسري عن نفسي .. كان معه مصري يطفح بالغرور ما أن رآني عماد حتى قال له : هذا الذي حكيت لك قصته ، فانطلقت على الفور كلماته كلكمات هوجاء :

فلاح ساذج بهرته أضواء المدينة ، ما رأى اللحم الأبيض إلا هنا فذهب عقله ، لا أدري من أية داهية يُقذف بأمثاله علينا .

انطلقت كالصاروخ لأسحق أنف هذا الغبي ، بعد أن ألقيه على الرصيف فاصطدمت بعماد ، دافعت عماد كثيراً حتى أصل إلى هذا الأحمق ، فما لان ولا تزحزح .. صبغ وجه الغبي باصفرار مفاجيء ، وارتعشت أوصاله لكن لسانه مازال يصب سخامه :

كلب وأمسك بعظمة .. لو ضربته دينا بالحذاء ما تركها .

الغضب فتق قلبي ، أوصالي نيران ملتهبة ، ولا طريقة للوصول إليه إلا أن أصرع عماد .. استمات عماد ببسالة وقال : اضربني أنا قبل أن تضربه .

شلت يميني إذا مدت عليك يا عماد ، لكن من هذا الحيوان ؟

اهدأ قليلاً يا صديقي . .. معي نشرب قهوة على حسابي .

ليس قبل أن أكسر رأس هذا الحمار .

أمسك بي وأقسم ألا أنطق كلمة أخرى ، وأمر الأرعن أن يذهب في ستين داهية .. يشدني إلى مقهى مجاور سألته وبضاعتك ؟ .. قال : لتذهب هي الأخرى في ستين داهية ، لا تخف معي اليوم مساعد وأخذ يضاحكني حتى هدأت قليلاً .فبدأ في الإجابة عن سؤالي :

يدعي هذا الجلف أنه حفيد باشا ، وأن جده كان من أغنى الناس في المعادي بالقاهرة ، وأن ميراثه عن والده عن جده يكفيه لألف عام .. يتكلم مع الناس كجلف كما سمعت متصوراً أنه الأعلى ، ضرب لهذا مرات وأنقذناه من الضرب مرات ومرات ، ولا فائدة .. ما رأيناه مرة يعمل ، كذلك لم نره مرة ينفق ببذخ ، إذ يعيش على المساعدات الاجتماعية ، لا شيء غيرها .. يبدو أنه أخذ يكذب ويكذب حتى صدق نفسه .. عدا كذبه وجلافته فهو طيب القلب ، لا يؤذي أحداً .

ألم يؤذني يا عماد ؟

وضعك مختلف بالنسبة له عن أي شخص آخر ، فلتعذره . إنه عاشق دينا المتيم ، بل مجنون دينا . مجنون حقيقي ، كم سار وراءها ذاهبة إلى العمل أو غيره ، وآيبة .. استوقفته ذات مرة تهز كتفيه بعنف قائلة : ماذا تريد مني فأصيب لسانه بالخرس ، ثم نطق بشق الأنفس : أريد الزواج منك فانطلقت ضحكاتها ساخرة وقالت : أخلت الدنيا من الرجال؟! .. بعدها كف عن مطاردتها لكنه يتتبع أخبارها ، وينتظر ساعات فقط ليرى وجهها ، ثم جئت أنت من قريتك واختطفتها . وأكثر من هذا تفكر في طردها من حياتك .. فلتعذر هذا المجنون الذي مازال يعيش أيام جده وأين ؟ .. في برلين .. ومتى ؟ في هذه الأيام .. لن أتركك حتى تعدني بعدم الاشتباك معه .

كنت قد هدأت تماماً ، وأيقنت أن هذا الأرعن مريض وعلينا إن لم نساعده ألا نؤذيه .. انتهى الأمر يا عماد .

(فلاح ساذج بهرته أضواء المدينة ، أذهب اللحم الأبيض عقله .. كلب وأمسك عظمة ، لو ضربته دينا بالحذاء ما تركها) .

لم يبعد هذا المريض كثيراً عن وصف موقفي .. من صارحني مثله ؟ الأجدر بي أن أشكره ، لا أن ألعنه ، وأحاول دك رأسه .

ما معنى أني لا أقدر على هجرها ، ألا يمكن أن يكون المعنى الذي قصده المريض صحيحاً ؟ : أنها لو ضربتني بالحذاء ما تركتها .

الضرب بالحذاء .. ذكرني بغاسل الأطباق معي بالمطعم القادم من محافظة الشرقية بمصرنا .. يحتفظ هذا بلهجته ، ويعتز بها ، ولا يفكر أبداً بالنطق بغيرها . بفطرته يتصرف كأنه مازال في قريته ، يقبل يده أمامي كثيراً على أن وجد هذا العمل ، خمسة أشهر غاسلاً للأطباق ، ولا يفكر في تغيير وضعه ، يحسب ما اكتسب ، ويعد الأيام عداً تنازلياً للعودة ، ما يفتأ يذكر زوجته وأولاده .. لامني كثيراً حين علم بقصتي .. فقلت له غاضباً : لو كنت مكاني لفعلت ما فعلت أنا وأكثر فقال بعفوية طريفة : لا ، والله ، أخصي نفسي بيدي ولا أفعل ما فعلت .. أستحق الضرب بالحذاء إن أخطأت .

وصدقته تماماً ، وأثق أنه سيعود إلى قريته عند انتهاء عده التنازلي .. أسعد الناس .. انه متزوج ويعول والفراغ الذي خلفه أولاده وزوجته فراغ كبير ، لكن هذا الشاب البسيط تغلب على مشكلة الفراغ ، أراه صامداً ، أصلب من أن يتغير.

مازال على فطرته ، على بكارته الخلقية ، متوائماً مع نفسه ، وفي سلام مع العالم ، راضياً أستبدل نصف عمري لقاء يوم من هذه البكارة .. وصلتني رسالته : أني أستحق الضرب بالحذاء ، وكان الأجدر بي أن أقطع رجولتي وألقي بها إلى أقرب مزبلة .

بدوت عكراً ، مضطرباً ، تتحرك أطرافي بعصبية .. أثرت شفقة عماد ، فأصر على أن أسهر معه الليلة ، وأنه سيصحبني إلى حفل لابد أن يكون بهيجاً : أحد الرفاق المصريين يحتفل بمناسبة شرائه (فيلا) رائعة على أطراف برلين ، وأشار عليّ أن أتصل بدينا معتذراً عن التأخير .

ال(فيلا) تحفة معمارية باذخة ، وحديقتها واسعة مزدانة بأجمل الأزهار والأشجار ، في أروع تنسيق ، والحفل على مستوى المكان تزينه زوجته الألمانية كأميرة من أميرات الخيال ، ما ظهر من جسدها مثير ، مثير ، وما خفي له إثارته .. المرأة في غاية النشاط واللباقة ، تستقبل كل ضيف كأنه ضيفها الأثير .. تتفقد كل شيء ، وتغمر برعايتها الجميع ..

صاحب ال(فيلا) كالطاووس ، يستخفه الفرح ، ويتلاعب به الفخر .. رحب بالجميع لكن ليس بكياسة امرأته ، ولم يك له نشاطها ، ولا قبولها ، هو وحده الناشز عن محيطه .. تمنيت من كل قلبي أن ينفثيء غروره كبالون لامس النار ، وأن تدوس الأقدام أنفه المتعالي .

تركت عماد يسلم على معظم الحاضرين ، ويحتضن أكثرهم ، بينه وبينهم تدور الأسئلة المعتادة عن الصحة والأحوال ، وانزويت إلى ركن قليل الضجيج ، تبعني عماد بعد انتهاء طقوسه ، يحثني على اقتحام الجمع والتعرف على كثيرين ، لأتخلص من بعض ما أعانيه .. لحق بنا صاحب الحفل ، ينفش ريشه .. سأل عماد عن أحواله وأخباره ، فأجابه أنه في أحسن الأحوال لا يقلقه إلا تلميذه المتكاسل وأشار إليِّ ثم لخص حكايتي في كلمات قليلة : تلميذي هذا يعيش مع أجمل النساء ، وفي شقتها ، أحبته بجنون ، وتريد الزواج منه ، وهو يرفس النعمة ويفكر في هجرها ، والفرار من ألمانيا كلها .

فقال بتعالٍ لا يطاق : هذا وأمثاله جاءوا إلى العنوان الخطأ ، لا يعرفون أنهم في مجتمعات داست الثقافات القديمة ، وبصقت التقاليد البالية .. عقولهم الضيقة القديمة غير قادرة على استيعاب هذه الحضارة العظيمة كل منهم يتغنى ببلده ، ودينه ، وعاداته ، وتقاليده .. بلده : أفضل خدمة لبلده أن غادرها .. دينه : من طلب منه أن يغير دينه .. من لديه الوقت أو الرغبة هنا ليتكلم عن الدين ؟! .. الدين المعاملة وليس بإقامة الشعائر والدروشة .. الناس هنا يتعاملون مع الآخرين ، أنقى ، وأفضل ، وأكثر أمانة من كل من تعاملت معهم في مصر .

أي عادات ، وأي تقاليد ؟ : شكليات تافهة ، غبية ، سمجة ، ومملة لا قيمة لها . ثم نظر إليَّ باستخفاف واستطرد :

لا تكن غبياً ، وافهم المجتمع الذي تعيش فيه ، وتكلم لغته ، وتعامل بمنطقه .. لو كنت في قريتك لقلت لك أيضاً ما أقول .. انتهز الفرصة الهابطة عليك من السماء ، وتزوج السيدة أو عش معها بلا زواج المهم أن تنجح ، وتحقق ذاتك .

عشت مع زوجني هذه خمس سنوات بلا زواج كأجمل ما تكون الحياة ، رأينا أن نتزوج فكان الزواج .. كافحنا معاً ، ونجحنا معاً ، وها أنت تراني .

ليس مستحيلاً أن تكون مثلي ، ولن تكون إلا بعد أن تتخلص تماماً من عقليتك القديمة ، ومواريثك البالية ، وأن تدرك قيمة هذه الحضارة العظيمة ، ومجتمعها الراقي .

انتهى المنتفخ من محاضرته وتركنا غبر مأسوف عليه .. أصررت على مغادرة الحفل في الحال ، وليظل عماد إن رغب .. وخرجنا معاً .