الفصل 19

11 0 00

أهو الحب الذي خفت شجونه ... أم تخوفت من الغيب وآثرت السكينة

ما هذا الذي أسمع ، يشدو به الصوت العبقري .. كأن الشاعر التبس حالتي ، والعظيمة أم كلثوم تغني لي وحدي .. وانساب الصوت الشامخ باللحن العبقري :

يا فاتناً لولاه ما هزني وجد ولا طعم الهوى طاب لي

هذا فؤادي فامتلك أمري واظلمه إن أحببت أو فاعدل

لو أوتيت مفاتح الشعر ، لما وجدت وصفاً لحالتي : أجمل من هذا الوصف .

أهو الحب الذي أخشى شجونه ، وأخاف أن أهرب منه ، وأوثر السكينة ؟ ، إن لم يكن هو الحب فما الذي جعلني أقضي معها ما يقرب من العام ؟ .. أستطيع أن أقول بملء الفم أني لا أكرهها لكني لا أستطيع أبداً التأكيد بأني أحبها ، يمكنني القول بأني لا أستطيع فراقها ، الأمر إذاً كمثل في قريتي (لا بحبك ولا بقدر على بعدك ) .. لا ليس بهذه البساطة فهناك إشارات في قلبي خفية أني أحبها ، إشارات لا أحاول تتبعها ، وأخشى التفكير فيها ، وأخاف أن تكون حقيقية ، وأتمنى ألا تكون كذلك .

لا تروقني حياة الأسير ، رافعاً كل الرايات البيضاء ، لا أملك من أمري شيئاً ، فلأنسق حياتي بناءً على معطياتها الجديدة . إذا كنت لا أستطيع فراقها فلأتزوجها ، حينذاك أستطيع الصلاة فالبيت سيتحول إلى بيت للزوجية . الصلاة التي لم أجرؤ على القيام بها في هذا المكان ، يمكنني أيضاً أن أجرها رويداً رويداً لتصلي ، وقد يستقيم أمرها ، وربما بكينا معاً على خطايانا !

بعد الزواج يمكننا التخطيط لحياتنا معاً ، تتخذ بعده حياتنا شكلاً جديداً سيكون بالطبع أفضل من هذا الشكل الهلامي ، غامض الملامح ، ربما يكون نجاحاً هائلاً وقد نحتفل معاً كاحتفال ذلك الطاووس المنتفخ غروراً وخيلاء ، لكني لن أكون طاووساً .

وماذا يضيرني من زواجها إن لم يجد نفعاً ؟ .. لا شيء إلا إذا رغبت في الإنجاب .. أعتقد أنها غير راغبة فيه ، وربما كانت غير قادرة بيولوجياً فقد سبق لها الزواج ولم تنجب ، فإذا أصبحت الحياة بيننا على ما أرغب ، يمكن تكوين أسرة طبيعية .

استرحت للفكرة لكني أحتاج من يؤيدها .. أعرف رأي عماد ، ومن يمكن أن يسمون مجموعته ، وهؤلاء لا تروقني أفكارهم .. صبحي هو الأرضية التي ينبغي أن أبني عليها .. لا بأس من مقابلته فهو رجل واسع العقل والصدر ، أظنه سيتفهم تماماً ما أعانيه ، وسيخلص لي النصح .

وقصدت مسجده بعد أشهر طويلة ، فوجدت محاضراً آخر .. علمت أن صبحي قد أنهى دراسته للدكتوراه ، وحصل على درجتها العلمية ، وترك أسرته عائداً إلى الوطن يبحث عن مكان للتدريس في إحدى جامعاته حتى إذا استتب أمره ، عادت أسرته إلى مصر ..

انتهى المحاضر من درسه . ربما كانت له الإحاطة المطلوبة بما يقول ، لكن لم يكن له حضور صبحي الطاغي ، وطريقته المؤثرة الفاعلة .. انتحيت بالرجل جانباً أستشيره فيما أنا مقدم عليه .. لم أخف عنه شيئاً ، تتغير ملامح وجهه الطاعنة في العمر .. صبر الرجل حتى انتهيت ، فبدأ يدلي بدلوه :

لا أنصحك أبداً بالزواج منها يا بني .. قال الله تعالى في كتابه الكريم [ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ] صدق الله العظيم

لكن يا شيخنا التوبة متاحة لجميع المذنبين ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وهل كلمة النكاح في الآية الكريمة تعني الزواج أم تعني المواقعة ؟

تغير لون الشيخ واحتد قائلاً : لو كنت مقتنعاً بزواجها ما جئت لتسألني .. يا بني ألا من بكر تلاعبها وتلاعبك ؟ هذا ما سأله رسولنا الكريم حين استشاره أحد الصحابة في الزواج من ثيب وليس من زانية وقال رسولنا الكريم في موضع آخر (( تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس )) .. ستكون هذه أماً لأطفالك .. اختيار الزوجة الصالحة ليس أمراً سهلاً ، من حق أطفالك عليك اختيار الأم الصالحة ، وقال رسولنا صلى الله عليه وسلم ((اتقوا خضراء الدِّمَن ، قيل وما خضراء الدِّمَن يا رسول الله قال : المرأة الحسناء في منبت السوء )) .. أليست هذه خضراء ؟!

قلت : أليس من واجبي أن أمد يدي إليها ، وأنا الغارق معها فننجوا معاً ؟

يا بني : الأمر خطير ، يتعلق بأطفال أنت مسئول عن رعايتهم ، وقد تحاول إنقاذها من الغرق فتغرق معها .. اتركها من فورك بعد أن تقدم لها النصح ، فإن قبلت نصيحتك وتابت وقبل الله سبحانه توبتها ، فقد يرزقها بمن هو خير منك . وبعيداً عن مواريث ديننا الحنيف ، هل يمكنك نسيان ماضيها ، والثقة فيها ؟.. سيؤرقك ماضيها ، وربما قتلك الشك فيها .. والزواج سكن ومودة ورحمة كما قال ربنا تعالى ..الشك سيقوِّض مسكنك وسيمحو المودة والرحمة . مازلت شاباً صغيراً ، وأمامك الكثير والكثير من الفتيات العذراوات ، الصالحات . اختر منهن واحدة بكراً غافلة فتكون هي الأقرب لبناء أسرة صالحة .. زواجك يجب أن يكون على سنة الله ورسوله ، فأي سنة لله ورسوله في تلك الزيجة من هذه المرأة ؟

يا بني : قاوم ضعفك ، واستحضر عزمك ، واستعن بالله ، واستغفر لذنبك ، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم .

كأن الرجل خذلني ، كأني ذهبت إليه أستجديه ليوافق على زيجتي فقال ما قال ، كأني طفل استلبه الرجل لعبته المفضلة !

ذهبت إلى دينا محملاً بالأثقال ، مشتت الأفكار ، زائغ النظرات ، ألقيت بنفسي على أحد المقاعد ، صامتاً ، جامداً .. كثيراً ما عدت إليها مهدوماً كسيراً .. يبدو أن حالتي هذه المرة كانت الأكثر سوءاً .. أسرعت إليَّ لتعرف ما الخطب ، أوضحت لها أنها سحابة سوداء تعاود أفقي حيناً بعد حين لا تلبث أن تزول فقالت : إن لم تشاركني همومك فمن تشارك ؟ .. لا تكذب عليَّ ، ولا تخف عني شيئاً ، بربك صارحني أياً كان الأمر !

أمام إلحاحها المستميت ، وإصرارها الصلب قلت : ذهبت إلى الشيخ أستشيره في الزواج منك فرفض بشدة .

سقطت عليَّ ، تحتضنني ، وتمطرني بالقبلات ، تطير بها الفرحة .. أخذتني الدهشة .. هزتني بسعادة قائلة : الآن تأكدت أنك تحبني .. ما حاجتك لاستشارة مثل هذا الانسان المعقد ؟ مثله لا يعرف الحب ، من يفهمنا ، ويفهم أمورنا أكثر منا ؟ .. طلبت منك الزواج قبلاً فهربت ، على ما تحب ، المهم أن نكون معاً ، وها نحن معاً . ما يقرب من العام ونحن أسعد الناس .. أعتبر نفسي زوجة لك ، ماذا ينقصنا ؟ ، عقد الزواج ، تلك الورقة التي لا قيمة لها ، يعرف كل الخلق أننا معاً .. نحن زوجان حقيقيان ، زواج عرفي للمجتمع الذي نحن فيه ، أشبه بالزواج العرفي في أوطاننا .. إن كان يريحك عقد زواج رسمي فافعل ما تشاء ، أو لا تفعل .. كما تهوى ، ما يهمني أن أكون معك

لكن يا دينا لي بعض الشروط قبل عقد زواجنا .

موافقة على كل شيء مسبقاً ، لا داعي لذكر الشروط ، اشترط في نفسك ما تشترط .. موافقة .. فقد وكلتك عني توكيلاً شاملاً .

اسمعيني : يجب أن نتفق لتكون لنا مرجعية . أريد ألا ننجب أطفالاً هنا وأن نعمل معاً جاهدين ثم نعود معاً لنكمل حياتنا في مصر ، نعيش هناك كما يعيش أبي وأمي ، حياة بسيطة هادئة سعيدة . يجب أن تصلين وتصومين ، وتمتنعين عن الخمر ، وترتدين الحجاب.

موافقة ومتشوقة . أعشق حياة البسطاء ، عايشتهم على أطراف بيروت في بيوت من الصفيح .رغم فقرهم يعرفون طعم السعادة الحقيقية خلال أسر متماسكة يربطها الحب .. كم أشتاق لرؤية والديك ، ولهذه الحياة البسيطة .

وأرجو أن تصلي ، ولنترك الخمر .

قلت لك أني موافقة ، ولنشرب الخمر فقط في نهاية الأسبوع وفي المناسبات السعيدة .

لا ، لنتركه كلية .

لا تتعجل .. العالم لم يخلق في يوم واحد .. اطمئن سيكون كل شيء على ما تحب لكن ( واحدة .. واحدة ) كما تقولون .

دينا : قررت الزواج منك ، وليكن ما يكون !