الفصل 22

12 0 00

توتري أكبر من احتمالي .. زوجتي ترقص بهذه الصورة مع أجنبي عنها ، عجينة طيعة بين يديه .. سهم أصاب قلبي ، وسهم آخر في صميم القلب تلك الإيماءة التي اختلستها وهي تتعلق بي وكأنها وعد منها أن تكمل له في فرصة أخرى ما قطعته .. الظنون تحملني إلى كل أرض شيطانية .. لا أستقر على حال ، ولا أدري ما أنا فاعل .

أحاول تهدئة نفسي حتى لا يقضى علي : الرقص ركن ركين من ثقافة هذه الشعوب ، يتعلمه التلاميذ في المدارس ، ويتبادل رؤساء حكوماتهم الزوجات ليرقصوا معهن .. يستأذن رجل ليراقص الزوجة ولا بأس .. يراقص الشاب أكثر من فتاة في أماكن الرقص ، والأمر عادي .. لكن نفسي لا تهدأ ، ولا أتصور أن يكون لذلك الرقص معنى غير جنسي .. زوجتي تراقص أجنبياً على هذه الصورة أمامي ، وعلى الملأ .. يكاد رأسي يتحطم ، يوشك قلبي على التوقف .

ارتدت دينا أكثر ملابس نومها إغراءً ، وتعطرت بأفضل عطورها ، وجاءت تصب عليَّ دلالها .. جاءت تعوضني !! دفعتها عني بكل قواي .. تركتها ودخلت إلى غرفة أخرى يمكن النوم فيها وحيداً .. قتلت كل محاولاتها لاسترضائي قتلاً ، وأقسمت إن لم تكف أن أغادر الشقة الملعونة إلى غرفتي التي لم أفرط فيها .

كانت ليلتي أطول من كل تصور ، لم يغمض لي جفن ، ولم يتوقف نزيف القلب : لا يمكن أن يكون رقصها مع شبه المخنث هذا بلا سوابق ، وصعب جداً أن يكون بلا لواحق .. ماذا يمنع تلك التي عاشت معي ما عاشت بلا زواج دون أي شعور بالذنب من فعل أي شيء ؟

لابد أنها ستتصل بشبه المخنث تليفونياً لتعتذر له عما حدث وقد تسخر مني ، أو يسخرا مني معاً ، وربما لا تنتهي المكالمة إلا بموعد قد تمنحه فيه ما يشاء .

يأخذني الخاطر التعس إلى خاطر أتعس ، أستعرض كل تصرفاتها ، كل ما صدر عنها مذ عرفتها ، لاشيء يريح القلب ، أو يرضي النفس ، كل تفسير لأفعالها حجر يدك رأسي .

أستعرض نصائح صبحي ، ومحاضرة خليفته فأضرب رأسي بيدي ، وأعض أصابعي ، وألعن ضعفي ألف لعنة .

ليتني لم أتزوجها حتى لو بقيت معها ما حييت ، كأن زواجي منها ذنب لا يقل جرماً عن العيش معها بلا زواج .. أي زواج هذا ، وماذا أضاف إلى حياتي معها غير العذاب ؟ ماذا يمنعني من التخلص منها ؟

التخلص منها ؟ بهذه السهولة ، وكأني تزوجتها لا أعرف عنها شيئاً .. كان يجب أن أتوقع تصرفها هذا لأني أعلم تماماً أني لم أتزوج قديسة ، ربما كان ما قالته صحيحاً ، ربما كانت ترقص لمجرد الرقص ، وقد قالت لي مرات أنها تعشق الرقص.

لم أتخذ معها خطوة واحدة جدية لأن تكون زوجة ، بالمعنى الذي أريد ، لم أعلمها إلى الآن كيف تتوضأ ولم تصل حتى الآن ركعة واحدة .

بكت واعتذرت ، وأقسمت ألا تراقص أحداً بعد اليوم ، ألا يجب أن ينتهي الأمر عند هذا الحد ؟ .. لولا هذه الإيماءة اللعينة ! .. يبدو أنني مغرق في قرويتي كما يقولون ، ربما كانت هذه الإيماءة ترضية لهذا الطفل المزعوم ، ترضية طفل لا أكثر ، ربما كانت غيرتي طفولية ، قد يسخر منها عماد ، وألف عماد .

ويلي .. لا أستطيع أن أمحو رقصها ، وإيماءتها من مخيلتي ، ولا أستطيع للتفسيرات الشيطانية دفعاً ، مازال الدم يغلي في عروقي ، وقد مر يومان كاملان ، لم أذق فيها طعماً حقيقياً للنوم .. يمكن أن أصاب بالجنون ، أوشك على الانهيار .. فشلت كل محاولاتها المتواصلة لترضيتي ، لا يمكن بالطبع أن تواصل محاولاتها لما لا نهاية .

جنحت للصلاة علها تأخذني مما أنا فيه ، ما استطعت أن أعطيها حقها يأخذني الشرود ، أستنقذ منه نفسي للحظات لكن سرعان ما يحتويني حتى اختلط عليَّ الأمر ، ولم أعرف بالضبط عدد ما ركعت . فضلت أن أعيد الصلاة ، صلاة العشاء فلم تك أفضل من سابقتها . هرعت إلى قراءة القرآن فما كان تركيزي كاملاً ، كأني مضروب على أم رأسي .

فلأحكم المنطق فيما حدث : تفسيراته ، ونتائجه ، وتوابعه ، والحلول إن وجدت .

راقصته أمامي وأمام الخلق ، لا ترى في ذلك نقيصة ، أو نية سوء .. رقص ، مجرد رقص ، وهي التي يمكنها كغيرها أن تفعل ما هو أسوأ بكثير في الخفاء .. لكن ربما لم تستطع مقاومة الرغبة في الرقص معه غير عابئة بما يحدث بعد ذلك ، ثم تلك الإيماءة اللعينة المحملة بالإيحاءات البغيضة التي تهجس بها نفسي .. دينا التي أبحرت كالبحار الماهر في بحار المتعة هل يمكن أن تركن إلى جزيرة صغيرة هادئة ، ورتيبة ؟ .. هل يمكن أن أغفر لها ماضيها ، وأن أتناساه فلا يظهر لي بين الحين والحين كالكوابيس المرعبة ؟ .. أليس من قبيل المعجزات في عصر لا يعترف بالمعجزات أن تصير دينا الزوجة التي أريد ؟ .. أليس الحل الأمثل أن أفر منها كما يفر المرء من الأسد ، كما سبق وقال صبحي ، أم أجبن كما جبنت سابقاً ، وأضعف كما ضعفت ، فأرتمي عند قدميها ألتقط ما تلقي به إليَّ من ثمار أنوثتها صاغراً ككلب أليف ؟ الفلاح ، القروي ، المسلم ، يمكن أن ينتهي به الأمر عند هذا الحد ؟

أي منطق يمكن أن يثبت أمام تيارات الغيرة العاتية ؟

أخشى أن أشرك عماد فيما يعذبني ، أتوقع سخريته طالباً مني أن أتخلص من طين الأرض الذي مازال عالقاً بقلبي وعقلي وكياني كله .

ربما كان عذابي هذا كله على غير أساس إلا من أوهام صورتها نفسي .

أصبحت مع دينا كالحاضر الغائب ، كأني فاقد القدرة على النطق ، فضلاً عن التفاعل مع الأحداث ودينا تحاول لا تفقد صبراً ، وأنا أطحن الماء .

رفضت الخروج معها إلى السينما ، إلى أى مقهى ، إلى الحدائق العامة .. أصرت على أن نزور معاً سيدة وحيدة ادعت أنها من أظرف الخلق وأني سأدمن زيارتها بعد ذلك .

السيدة في خريفها لكن مازالت جميلة ، عذبة الصوت ، حلوة الحديث ، الخمر أمامها لكنها لم تكن ثملت بعد . تكلمت كثيراً ، وأضحكتني أكثر بنكاتها الجنسية لا تعرف حدوداً بلهجة شامية طريفة .. ضحكت من كل قلبي وأضحكتني من نفسي لرفضي مشاركتها خمرها ، بينما شاركتها دينا لمجرد المجاملة . رغم الوقت الذي كان طريفاً ، وأكثر ، ورغم محاولة دينا معي لتكرار الزيارة ، رفضت زيارتها مرة أخرى ، لا أدري لماذا ؟

كما توقعت ، لم تخب تصوراتي عن من تصادق دينا .. رفضت كل رغبة لها لزيارة آخرين فطلبت مني أن نزور معاً أصدقائي . المهم ألا نعتزل الناس ، فالناس كما قالت لايأكل بعضهم بعضاً .. أي أصدقاء لي نزورهم معاً يا دينا ؟ .. إلى عماد حيث يسكن ، أم حيث يعيث زكي في ظلامه ؟ الزيارة الوحيدة التي أتمناها معاً مسجد صبحي نستمع لمحاضرته أو محاضرة من ينوب عنه ، بالطبع وأنت على صورة أخرى : ملبسك وزينتك .. ربما وجدتِ من بين زائرات المسجد من تصادقينها ، من قد تتكلم معك في الدين ، وعن فهمها للحياة ، وطرائق عيشها ، من قد تأخذ تغييرك كرسالة لا تبخل عنها بجهد أو وقت ، والمرأة أقدر على تغيير المرأة .

أجفلت دينا حين عرضت عليها زيارة المسجد ، وتغير وجهها ، وتحركت في مكانها ، وبتلقائية قالت بسرعة :

لا ، لا .. ليس الآن .

لن نسير من لحظتنا قاصدين المسجد يا دينا ، ليكن ذلك بعد غد ، أو بعد ثلاثة أيام حتى نكون قد وجدنا الملبس المناسب ..

بنفس التلقائية والسرعة كررت عبارتها : لا ، لا ليس الآن

السائحات يزرن المساجد الأثرية في بلادنا ، فلتكن زيارتك الأولى لمسجد صبحي ، سياحة أو فضولاً لن أطلب منكِ تكرارها إن لم تعجبكِ ..

كررت نفس العبارة ! وأضافت بنفاد صبر وعصبية ظاهرة :

لا أتصور نفسي في خيمة سوداء ذاهبة إلى مسجدك ، ثم من سأقابل هنك ؟ نسوة كلهن عقد وجوههن كئيبة ، ونفوسهن أكثر اكتئاباً ، أجسامهن مترهلة ، وملابسهن .... سيقتلنني حسداً وهمزاً وغمزاً .. مَن من أمثالهن يمكن أن تكون صديقتي ؟!

لا يا دينا ، لسن بهذه الصورة منهن أجمل الجميلات ، لسن كتلاً من الكآبة كما تتصورين ، منهن الرياضيات ، والمتأنقات ، والمقبلات على الحياة .

وكيف عرفت أن منهن جميلات ؟ أكشفت عن وجوههن ؟ .. دعني منهن .. أكرههن !

قلت لكِ : لتكن زيارتك الأولى سياحة أو فضولاً ، لو دعيت ألمانية لهذه الزيارة ، لن تتأخر لحظة ستسرع توقاً إلى الاكتشاف .

وقلت لك أيضاً أن المسألة مسألة وقت .. أعدك بزيارة المسجد ولكن متى ؟ لا أستطيع أن أحدد لك التاريخ .. أنا مسلمة مثلك .. دعنا نستمتع بشبابنا ، وسيغفر الله لنا !