الفصل 24

12 0 00

أغرقتني دينا في تيارها ، فعادت أيامي معها إلى ما كانت عليه قبل الزواج .. أخذتني دوامات أنوثتها المتجددة .. لم تترك لحظة واحدة يمكنني استغلالها لأكلمها عن الدين أو عاداتنا والتقاليد ، ننفق معاً جل ما نكسبه ، لا يعنينا إلا أمر يومنا .. ما أقتطعه من كسبي لإرساله إلى والدي جد قليل ، أتعلل بعلل واهية وأعد بإرسال المزيد .. ما أرسله كل بضعة أشهر لا يزيد .. تكاسلت عن صلاتي ، قد تمر بضعة أيام دون أن أصلي ركعة واحدة مأخوذاً بسهرات دينا وأنوثتها الفياضة .. والخمر دائماً في

نهايات الأسابيع وأحياناً قبل وبعد تلك النهايات .. دينا تجذبني إلى تيارها الدافق المتجدد ، ومالي من تيار ، هي التي تقود حياتنا معاً ، وما أنا إلا مجرد تابع .

عرجت إلى شقة صلاح وزكي .. وجدت صلاح يعد العدة لعودة نهائية إلى مصر .. حقق الكسب الذي أراد ولديه خطة واضحة لحياته المستقبلية في مصر ، كله أمل وشوق للعودة .. قبل ذلك بقليل كان العد التنازلي لغاسل الأطباق ابن الشرقية قد انتهى وعاد إلى قريته على أجنحة الشوق والأمل ، طريقه مرسوم ، ورؤيته واضحة .. وغبطت صلاح وغاسل الأطباق .. زكي على حاله لم يتغير . كانت العجوز الشبقة تتدلل ككلب يهترش وهو كلوح ثلج لا يذوب ، صورته التي كان عليها أول مرة رأيته .

ودعت صلاح دامعاً .. أهي دموع الوداع ، أم دموع أسكبها على ما آل إليه حالي ، أم على مستقبل لا أدري كنهه ، ولا ما أنا صانع به ؟

وخرجت من شقة صلاح متوجهاً إلى عماد ، هو أيضاً على حاله ، لسانه لا يقف وعيناه تدوران لا يفوتهما شيء .

رحب بي عماد بطريقته المعهودة .

أين أنت يا تلميذي العزيز ، عيني عليك باردة .

سألته الأسئلة المعتادة عن صحته وأحواله .

أنا كما أنا ، وأنت تتغير .. عندي لك مفاجأة من العيار الثقيل .

شدني عماد مسرعاً بعد أن أوصى مساعده بالانتباه واللياقة وحسن التصرف . أسأله عن ماهية المفاجأة

لا تتعجل ، دقيقة واحدة لا أكثر وتعرف كل شيء .. سرنا ما لايزيد عن عشرين متراً على نفس الرصيف ... وقف وأشار قائلاً : أتعرف هذا الرجل ؟

أهذه هي المفاجأة ؟ .. من هذا الرجل يا ترى ؟ .. أردف عماد : لا تتقدم ، إن عرفت هذا الرجل من مكانك سأمنحك ساعتي الذهبية هذه . لديك ثلاث دقائق إن لم تجد إجابة فجلستنا في المقهى على حسابك .

أعرف أن عماد عند كلمته . إن أجبت سيمنحني ساعته ، سأحتفظ بها معي لبضع دقائق ثم أردها إليه .. ما نويت الاحتفاظ بها .. عن بعد يسير أتأمل الرجل ، يذكرني بالشخصيات الفقيرة المسنة المتآكلة في الأدب الروسي في صقيع روسيا .. حركاته بطيئة ملولة ، وكلماته قليلة ، نظراته إلى الأرض كسيرة ، ومعطفه الأسود الطويل يبدو لي من مكاني مهملاً كأنه لا يفارقه ليل نهار .. أمام الرجل طاولة مساحتها حوالي المتر المربع عليها مثل ما يبيعه عماد . فتيات نظرن إلى بضاعته ، تأملنها ثم استأنفن المسير ، وقفت واحدة تمسك ببعض أشيائه ، وغيرها ، وهو واقف لا ينطق بكلمة .. يبدو أنها سألته عن ثمن ما بيدها ، ثم نقدته الثمن وانصرفت . أخذ الرجل الثمن كأنه يأخذ صدقة ، بعدها ثبت في مكانه كأنه ينام واقفاً .

هيا يا صديقي إلى المقهى ، حق عليك أن تدفع الحساب .

أأعرف هذا الرجل ؟ .. لا أظن أني رأيته قبل اليوم ، وعليه لا يكون الرهان عادلاً

استنبط عماد ما يدور بداخلي

تعرف هذا الرجل حق المعرفة يا سامي ، هو من أبرز من تعاملت معهم والتقيت بهم في برلين .. ستعرف كل شيء على المقهى .

يثير عماد فضولي ، يلعب جيداً على هذه الوتيرة ، دافعت فضولي ، فما هي إلا دقائق وأعرف كل شيء .. التزم عماد الصمت لدقيقة ، نظر إلى وجهي باسماً بمكر حبيب ، ينتظر سؤالي الملهوف عن الرجل ، السؤال الذي أصررت ألا أسأله .

زادت درجة ابتسامته الماكرة ثم قال :

الرحمة مطلوبة ، وأنت صديقي ، قبل أن تموت فضولاً سأبدأ لك من نهاية القصة ، إنه صبحي الذي كلمتني عنه كثيراً .

لا تكن مهذاراً !

لا تقف ، اجلس ، واهدأ ، سنسلم عليه معاً بعد قهوتنا .

بأي حال من الأحوال لا يمكن أن يكون هذا الذي رأيته صبحي ، ربما كان صبحي آخر غير الذي أعرف .. تشابه أسماء !

هو صبحي ، أعرفه أكثر منك ، أتينا إلى برلين في نفس الفترة تقريباً ، قبلي بقليل ، بعدي بقليل .

ما هذه الفراسة العجيبة يا عماد ، كأنك تكشف ستر الغيب .

لا أصدق أنه صبحي .. لا يمكن أن يتهدم بناؤه الشامخ هكذا في أقل من عام ، مهما كانت الظروف ، ومهما نالت منه النوائب .. صبحي المقاوم ، المناضل ، القائد الذي يأخذ بالأيدي ، الشامخ بدينه وعروبته ، المعتز بقيمه وتاريخه ، ينهار سريعاً هكذا .. إذا انهار كل الرجال كنت أظن أنه آخر من ينهار ، فإذا نجا واحد من الانهيار كنت أظنه صبحي .. وتساءلت في أعماقي أكان صبحي يؤمن حق الإيمان بما كان يقول ؟ .. لا أظن أن نوائب الدنيا كلها يمكنها أن تنال منه إذا كان ما يحاضرنا به في مسجده قد وقر في قلبه ، واطمأن إليه !

وأخذ عماد يشرح باختصار قصته :

حصل صبحي على درجة الدكتوراه في الكيمياء ، كله أمل أن ينتفع وطنه بعلمه ، وأن يثرى بوجوده .. زوجته كانت أبعد منه نظراً فقد أشارت عليه أن يذهب وحيداً إلى مصر فإذا وجد العمل في إحدى جامعاتها استقدم أسرته . صبحي كان على علاقة وثيقة بأحد وزراء الحكومة الحالية ، بالطبع على يقين أنه بمجرد الطلب سيجد مكانه ليس في جامعة واحدة ولكن في أكثر من جامعة عليه أن يختار إحداها .. مهم فرع دراسته ، رفيعة درجته العلمية ، وقد حصل عليها من بلد مرموق .

التقرير الأمني لم يكن في صالحه .. أشار التقرير إلى انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين وضلوعه في أنشطتها ، ربما لم يكن هذا صحيحاً ، فعلمي أن صبحي لا ينتمي لهذه الجماعة انتماءً حقيقياً ، كل نشاطه انحصر هنا في الدعوة إلى الإسلام ، لا إلى جماعة بعينها .

لم يدر صبحي أن التقرير الأمني أصبح أهم بكثير من الكفاءة العلمية .. الرئيس السادات قبل وفاته كان قد أخرج جماعة الإخوان من مكامنها وأعطاها الإشارة الخضراء لممارسة كل أنشطتها ، وظل الحال كذلك إلى قبيل وفاته .

قيل أن الوزير صديقه فعل المستحيل واقترب كثيراً من الخطوط الحمراء ليبطل أثر التقرير الأمني ولا فائدة فقرارات التعيين في الجامعة تخرج الموافقة عليها من الأروقة الأمنية .

اعتذر الوزير آسفاً لصبحي قائلاً أن هناك أمل يبدو في الأفق ، إنهم يناقشون موضوع الجامعات الخاصة ، وقد وافقت الحكومة على انشاء تلك الجامعات متى ، لا يعلم ، على أقل تقدير ليس قبل ثلاث سنوات . في الجامعات الخاصة يمكن أن يجد عملاً .

وعاد صبحي كسيراً ، كان قد استدان الكثير لمتطلباته في مصر ، واستدانت أسرته أكثر طوال الستة أشهر . جامعته برلين وافقت أن يستمر صبحي في أبحاثه لكن بلا أجر .. بلا أجر ! وكيف يعيش الرجل إذاً وتعيش اسرته .

صبحي المثقف ، المسن ، حامل الدكتوراه يبحث عن عمل كشاب صغير ترك جامعته أو قريته إلى برلين . بحث عن عمل يدوي متواضع ما كان له أن يغسل أطباق في مطعم صغير أو كبير ، لا يستطيع بدنياً كما أن لحم الخنزير القاسم المشترك الأعظم في كل المطاعم على التقريب في ألمانيا .. عمل صبحي كبائع في (بوتيك) صغير للملابس لدى شاب مصري لم ينل إلا أقل القليل من التعليم . لم يسلم صبحي من سخرية صاحب العمل ، فتركه ، وبحث عن عمل آخر ، حتى أيقن أنه لا يصلح لمثل هذه الأعمال ، ولا يملك حتى أقل القدرات لمواجهة متطلبات الحياة.

أصيب صبحي باكتئاب سوداوي وهجر المسجد والناس .. اقترحت عليه أن يقوم بهذا النشاط رغم أنه يؤثر بشكل من الأشكال على مبيعاتي .. لا يهم ، كان الأهم أية محاولة مني لانقاذ الرجل . أحضرت له هذه الطاولة وأمددته بما يبيع ، منظره الكئيب ، وعزوفه عن تلبس حالة البائع أو عجزه رغم أنه ممثل مسرحي سابق كما أعلم لا يساعده ، لكنه على أية حال يكسب عيشه ، بل أكثر من أي أجر قد يناله من غسل الأطباق ، مثلاً .

لم أكمل قهوتي ، وشردت في عالم أحزان صبحي ، وأحزاني .. خرجت وعماد من المقهى لنسلم على صبحي .. يبدو أن الرجل لم يعرفني ، سلم سلام الغرباء .. تركته لعالمه .. لم أنبش أحزانه.