الفصل 25

12 0 00

تسلل الخمر حثيثاً حتى أصبح ضيف سهرتنا معظم ليال الأسبوع إن لم يكن كلها .. حياتنا معاً أصبحت على الصورة التي ترتضيها دينا تماماً ، والتي رسمتها وكأني مأخوذ ، أو مشوش غير كامل الوعي بما حولي ، عازف عن التفكير فيما تدور به أيامي .. يبدو أنني استمرأت الأيام على صورتها التي خطتها دينا ، ونسجتها خيطاً خيطاً بحنكة عنكبوت .

عدت من عملي ، ولم أجد دينا ، تأخرت كثيراً . عادت تحمل باقة ورد رائعة ، والسعادة تستخف بها ، وانهالت عليَّ قبلاتها وأحضانها ، تلف بي وتدور . أغرقتني الدهشة .. ما هذا الجنون ، ماذا حدث ؟

ألف مبروك يا سامي ، ألف مبروك ، ستصبح أباً ، أنا قادمة لتوي من عيادة طبيبة النساء أكدت لي حملي ، هيا بنا نحتفل بهذه المناسبة السعيدة ، أنا أسعد الناس ، الدنيا لا تسعني .

كأنها فاجأتني بضربة على أم رأسي ، دفعتها بعنف عني ، تصلبت ملامحي وقلت باقتضاب :

يجب أن تتخلصي من هذا الحمل ، واليوم قبل الغد .

كأني رددت لها الضربة بضربة أقوى . انتصبت كلبؤة مهتاجة وقالت :

نجوم السماء أقرب لك .

ماذا قلتِ ؟

ردت وبكاؤها يخنق صوتها :

قلت ، ما سمعت .

إما أنا وإما الحمل .

أخذتها نوبة بكاء هستيرية ، تضرب الحائط بيديها ، وتنعي حظها .. استمر بكاؤها طويلاً لا يحرك في قلبي شيئاً ، على العكس كلما ازدادت حرارة بكائها ازداد قلبي قسوة عليها ، أوقن أنها تمثل ، أن دموعها دموع تماسيح ، كل فترة وجيزة أعرض عليها الخيار إما تحتفظ بي أو تحتفظ بحملها . طلبت منها أن تهدأ لنناقش الأمر صرخت وعيناها تطلقان الشرر :

حملت من زوجي ، ولن أستبدل العالم كله بحملي ، أفهمت !

فكري بهدوء ، أنا أعني ما أقول ، خذي وقتك يوماً أو أكثر .

هدأت ، أو تصنعت الهدوء وقالت بتأن :

جنيني هو الدنيا كلها .

إذاً ستخسريني .

ومستعدة أن أخسر حياتي كلها من أجل ما في بطني .

تمالكت نفسي ، وكظمت غيظي وقلت :

اتفقنا على كل شيء قبل الزواج ، وأرجأنا الحمل معاً .

نصيب ، قدر .

مازالت مهتاجة ،فضلت أن أحضر كوبين من العصير ، بطرفي شفتيها سحبت قطيرات ، متحفزة تنتظر ما سأقوله :

الحمل العصري يا دينا رغبة طرفين ، سواء كان ذلك داخل مؤسسة الزواج أم خارجها .

دعك من هذا . أنا متأكدة أنك تعيش معي مؤقتاً ،اليوم الذي ستتركني فيه آتٍ آت ، هذا هو السبب الوحيد لرفضك الإنجاب مني . الزواج الحقيقي يعني انجاباً .

تعنين الزواج الشرقي ، لماذا أنتِ شرقية هنا فقط ؟

ولماذا أنت غربي هنا فقط ؟

بيديك تحطمين حياتنا معاً ، وكانت بالضبط كما تشتهين وأكثر .

بالعكس أنا أحافظ على هذه الحياة ، بالحمل نكون معاً أسرة حقيقية .

لن أحرمك من الحمل ، ولكن ليس هذا وقته .

قدر ، ألا تؤمن بالقدر ؟ ألا يحرم الإسلام الإجهاض ؟

متأكد أنكِ حملت برغبتك ، مثلك ليست غريرة ، تحمل كما تحمل الغافلات ، خدعتني مع سبق الإصرار ، ولا أحد يرتضي أن يكون مخدوعاً . فلنؤجل الحمل إلى العام بعد القادم ، أعدك بهذا .

أهذا منطقي ، تعرض حياتي لخطر الإجهاض ، وتخالف أوامر دينك ، من أجل ماذا ؟ ما الفرق بين أن أحمل اليوم أو بعد عامين ؟

الفرق ألا أكون مخدوعاً ، وأن يكون الحمل برغبتنا معاً .. ضيف عزيز ننتظره ونحسب الأيام لقدومه .. أن نعمل خلال هذين العامين لمستقبل الوافد الجديد .

وماذا يمنع أن ننتظره معاً نحسب الأيام ، وأن نعمل لمستقبله ما حيينا وليس لمدة عامين فقط ؟

احترمي اتفاقنا يا دينا ، ورغبتي .

قلت لك ما في بطني أغلى من حياتي ذاتها .

إذاً ، اخترتِ .. أنا ذاهب إلى غرفتي ، تعرفينها ، إذا غيرتِ قرارك فأنا هناك في انتظارك ، وإلا فكل في طريق .

اتجهت صوب الباب خارجاً ، لم تتشبث بي ، وإنما ارتفع صوت نحيبها .. تسكعت لبضع ساعات ثم عدت أجمع أشيائي .. يبدو أنها ظلت تبكي طوال هذه المدة ، عيناها شديدتا الاحمرار ، متكورة على أحزانها وقد ألقت بوردها في سلة المهملات .. تركتني أجمع ما جمعت دون كلمة .. حملت حقيبتي وألقيت عليها السلام ردت بالكاد وذهبت إلى غرفتي .. ظلت صورتها كتلة من حزن مرير في مخيلتي طوال الطريق ، رثيت لحالها .. الاحتمال الأكبر ، وربما الوحيد أن تحتفظ بحملها ، لكن هناك أمل ضئيل ، ضئيل جداً : أن تفتقدني ، وتتأكد تماماً أني ثابت على موقفي حينها يمكن أن تراجع نفسها ، وقد تضحي من أجلي ، أرجو إن حدث هذا أن يكون قبل تلك الأشهر الثلاثة التي يقال أن الروح تلتبس الجنين بعدها ، حينها يكون الإجهاض كقتل نفس حرم الله سبحانه وتعالى قتلها . رجوت ألا تكون هذه المعلومة من معارف دينا ، إذ يمكن قاصدة أن تعرض عليَّ بعد تلك الأشهر الثلاثة القيام بعملية الإجهاض ، وهي تعرف مقدماً موقفي من قتل نفس .

لم أشعر بنفس احساسات هروبي الأول من دينا ، كانت أحاسيسي تجاه الغرفة حيادية تماماً وكأني تركتها بالأمس ، لم أكن أبداً مستريحاً ، بل قلقاً يدور حول نفسه في الغرفة الضيقة ، يضيق بها وتضيق به ، تركت فيها حقيبتي وعدت إلى الشوارع على غير هدى ، ما كانت لي رغبة في زيارة عماد أو غيره ، ولم يخطر لي أن أذهب إلى الذي كان مسجد صبحي .. مشيت متكاسلاً ، ومنكسرأ ، حاولت أن أفكر فيما آل إليه حالي ، وفي الحل إن كان ثمة حل .. تفكيري مشتت .. ومشوش .. انحرفت إلى مقهى ، فما استقر بي المكان ، وخرجت هائماً على وجهي .. سرت حتى هدني التعب ، فعدت إلى غرفتي ألقيت بنفسي إلى السرير ، استيقظت صباحاً والحذاء مازال بقدمي .. ذهبت إلى عملي شارداً ، أعمل بلا احساس كجهاز آلي مبرمج ، لكني كنت أقوم بما هو مطلوب مني على أية حال .. أصبحت غرفتي موحشة ، لأول مرة أشعر تجاهها بهذا الاحساس كأني أخشاها ، أقضي ما استطعت من وقت خارجها ولا أعود إليها إلا متهالكاً يأخذني النوم من فوري .. زهدت في كل شيء ، زهدت في الحياة نفسها .. أهذه المرأة تصلح أماً لأولادي وهي على ما هي عليه ؟ لا أظن أبداً أنها ستتغير .. ماذا لو أنجبت بنتاً ، على أي شكل ستربيها ؟ .. بالتأكيد ستكون نسخة من أمها إن لم تكن أسوأ . أكنت أظن أن أخرج من كل آثامي معها بلا خسائر ؟ أوقن أن كل شيء في عالمنا له ضريبة لابد من دفعها .. أخشى أن تكون ضريبة أفعالي مع دينا باهظة .

كل يوم أترقب حضور دينا ، ولا تأتي ، ما كنت أترقبها توقاً إلى أنوثتها فالمشكلة الآن أكبر بكثير .. أسبوع ، وثان ، وثالث ولم تأت .. لا أدري كيف مرت هذه الأسابيع الثلاثة دون أن يقضى عليّ .. كل الثمار التي قطفتها من حدائق دينا لا تعدل عذاب أسبوع واحد من هذه الأسابيع .. استبعدت على الفور هذه الفكرة المتهورة : أن أذهب إليها ألقيها أرضاً وأجهضها بقدمي .. بدت لي تلك الفكرة سخيفة : أن أعرض عليها ما لدي من مال قليل إضافة إلى ما سأدخره في الأشهر الستة القادمة .. لم أعر ما نصحني به زكي اهتماماً : أن أشاربها الخمر وألقي في كأسها خلسة بأكبر كمية ممكنة من الأسبرين ، لا أدري كيف أتى بهذه الفكرة ، وما هي فاعليتها ، الذي أعرفه أن بعض المنتحرين يبتلعون كمية كبيرة من حبوب الاسبرين ، وما ينبغي أن أكون قاتلاً ولو كانت القتيلة دينا . صقيع برلين تحول إلى أعماقي .. أتماسك بالكاد حتى لا أفقد عملي .. العمل يأخذ وقتاً لا بأس به من يومي وكذلك من قواي لو كنت بلا عمل طوال الأسابيع المريرة ما استطعت تحمل عذاباتها .

دينا ستكون أماً لطفلي أو طفلتي !! .. هل أذهب إليها متوسلاً ، أو راكعاً أبكي عند قدميها .. ما يجدر بي أن أفعل ذلك ، ولن تكون له نتيجة مرجوة .

أأتركها حتى تضع حملها وأتحايل بطريقة أو أخرى أن أهرب بما وضعت إلى مصر ؟ أحسب أنها ليست بالغافلة ، وعملية الاختطاف ليست سهلة ، وأظن أنها فوق قدراتي .

أفضل ما وصل إليه تفكيري إن وضعت حملها أن أستدرجها إلى مصر فإن عاشت على ما نحن عليه فبها ونعمت ، وإن ظلت على ما هي عليه فلتذهب وحيدة .

ترى كيف تدور أيامها الآن ؟.. وجدتني مسوقاً لأرقبها بعد خروجها من العمل .. وقفت مشدوهاً : دينا تسير جنباً إلى جنب مع شاب ، يبدو أن حديثاً ودياً يدور بينهما ، لابد أنها كانت تقص له شعره كتلك القصة اللعينة التي أوقعتني في براثنها ، ظللت أرقبها وقلبي يضج بدمائه .. يتضاحكان .. أكاد أنفجر .. يدخلان المقهى القريب من عملها ، المقهى المشئوم الذي جالستني عليه أول مرة .. أعطته سيجارة .. تعلو ضحكاتها وهي تضع ساقاً على ساق فظهر معظم فخذها عارياً يسخر من كل تاريخي .. لم أتمالك نفسي وهرولت إلى المقهى ، سحبتها من مقعدها ولطمت خديها كمجنون .. انسحب مرافقها ولم ينبس ببنت شفة ، استهجن كل من كان بالمقهى وبعض المارة تصرفي بنظراتهم وكلماتهم لكن أحداً لم يقترب مني أو يحاول الاشتباك معي .

من هذا أيتها اللبؤة ؟

أرجوك اهدأ يا سامي ، أرجوك ، الناس ، ماذا سيقول الناس ؟

من هو يا فاجرة ؟

وسحبتها خارج المقهى فلم تقاوم ، تعيد الرجاء مرات ومرات أن أهدأ ، وستشرح كل شيء .. غرست أصابعي في لحم ذراعها ، فتأوهت تكبت صراخها .

لا تظن بي سوء يا سامي .. هو صاحب صالون حلاقة ، تعلل بقص شعره ليعرض عليَّ العمل معه وسيعطيني أجراً مضاعفاً .. أضعت هذه الفرصة بسوء ظنك .

من يصدقك يا عاهرة ؟

أقسم بالله أني لم أنطق غير الصدق ، هل رأيتني أتأبطه ، هل قبلني أو قبلته ؟ .. إن كان الأمر على ما تظن ما كنت لألقاه في هذا المقهى . كنت أنظر إلى الشارع وأنا جالسة معه أتمنى أن أراك ، أعرف أنك قد تأتي إلى هنا .

منطقي إلى حد كبير ما قالت ، ربما كان صحيحاً ، بالتأكيد ارهاصات ماضيها هي التي دفعتني دفعاً لما حدث . وقفت صامتاً ، وإن كان الشك لم ينته تماماً .

أخطأت في حقي ، أهنتني أمام الناس ، ظلمتني ، لكني أعذرك .

لم أجد ما أقوله ، وأحسست بهمجية تصرفي ، ما كان يجب أن أتصرف هكذا أمام الناس ، كا ن الأجدر بي سحبها خارجاً والابتعاد بها عن كل الأنظار ثم أتصرف معها كما يعن لي ، فعلت ما فعلت قبل أن تتأكد ظنوني .. لمجرد ظن كان ما كان ، والظن لا يغني من الحق شيئاً .

لابد أن تعتذر لي ، ولن أقبل اعتذارك إلا في عشنا .

أريد فعلاً أن أتكلم معها ، ربما استطعت اقناعها لتنهي حملها .. اعتبرت سكوتي موافقة فاستدعت على الفور "تاكسي" وركبنا معاً ، لكن ليس كأول مرة !