سب أبوي َّوأهل قريتي سبب جرحاً أعمق .
ثلاثة أيام وتأتي دينا بعد خرجها من العمل إلى البيت في موعدها لا تتأخر ، تأكل وحيدة ، لا نتبادل حرفاً .. هجرت فراشها أبيت ليلي في الصالون أجتر أيامي كلها .. يتملكني الأسى ، كل الأسى أن تزوجت من تلك الحرباء .. زفرات حارة أنفثها حين يعلن علي عن وجوده .
عدت إلى صلاتي ، وقراءة آيات القرآن الكريم ، كثيراً ما هطلت دموعي .. لا أدري ما أنا فاعل ، ولا ماذا ستأتي به الأقدار .
في اليوم الرابع عادت دينا متأخرة ما يقرب من ساعة .. يبدو أنها تنتظر استفساري .. لم أعطها اهتماماً تتلكأ حولي في الصالون بلا سبب .. أتجاهل وجودها .. تغرق نفسها في بحار الخمر وتنام .
في اليوم التالي رجعت إلى البيت فور انتهائي من العمل فوجدتها .. ألقيت عليها السلام.. ردت بحماس لعل ذلك فاتحة خير .. تجاهل كل منا اللوم ، وتشاركنا في إعداد الطعام .. أكلنا ، وشربنا الشاي فيما يشبه الطقس الودي ، فشرعت أنفذ ما انتويت عليه :
دينا : تعرفين أني أحبك ، ولهذا تزوجتك .. رزقنا الله بعلي فله الحمد .. أغلى أمانيَّ أن تدوم الحياة بيننا إلى الأبد .. اتفقنا قبل الزواج على ما ارتضينا معاً ، ومرت كل هذه المدة تتجاهلين كل ما اتفقنا عليه ...
قاطعتني بضيق قائلة :
حسبتك اشتقت إليَّ فصالحتني ، وكل ما تريده أن تسمعني هذا الموال الممل . حتى لا يطول بنا الكلام ، لن ألبس هذا الزي الذي يسمونه حجاباً ، لا أريد أن أبدو كمومياء فرعونية ، ملابسي هي هي .. لا أستطيع الامتناع عن الخمر ، ولا أريد الصلاة الآن .. أنا حرة أخرج وقتما أريد وأعود حسبما أرى .. حريتي الشخصية أغلى من حياتي .
وما اتفقنا عليه قبل الزواج .
يا إلهي .. نفس الموال .. سحبت وعودي .. باختصار أنا على ما أنا عليه وعشت معي أكثر من عامين وأنا كما أنا ، فما الذي جد لتعقد لي جلسة محاكمة . يا أخي الله يهدي من يشاء ، ولم يهدني الله بعد .
ستخسريني وبالتالي سيخسر علي أباه أو أمه .
تركت لك الخيار ، أما علي فلن يخسر أمه .
ليس هذا مجرد تهديد ، أنا جاد يا دينا .
أنت حر .
وتركتني لتقضي ليلها على هيئة سابقة ، ووضعتني أمام خيارين كلاهما مر .. كانت واضحة وحاسمة ، أما أنا فالحيرة أمري ، كل ما في حياتي ملتبس وغير واضح ، كل ما أفعله يفتقد اللمسة الأخيرة ، كل قراراتي تفتقد الحسم الحسم والوضوح ، منذ صباي وأنا لا أرتضي الحياة في القرية ولا أهجرها .. اخترت الدراسة بالجامعة ، لكني لم أخلص لها ، لا أرتضي الحياة مع دينا ، وأيضاً لا أستطيع البعد عنها .. تلك الإنسانة البسيطة التي لم تعرف الحياة الأسرية الطبيعية ، والتي لم تنل حظاً من التعليم تعرف طريقها أياً كان ، وأنا أقف دوماً على مفترق الطرق .
مشكلة جديدة وعسيرة فرضت نفسها : وجود علي .. ماذا لو قررت هجرها ، بالطبع سيكون علي معها .. الدولة هنا بكل قوتها تقف إلى جانب المرأة ، كونها تحمل الجنسية الألمانية يعزز موقفها بالنسبة لعلي حتى في بلدي مصر .. سأتهم رجولتي إن بقيت معها على ما هي عليه ، وسأترك علياً معها إن تركتها ، وأنا بالطبع مسئول عنه أمام الله ، وأمام الناس .. قطع الله لسان تلك المصرية التي قالت لها : إن المصريين لا ينسون أبناءهم .. بت ليلتي مسهداً أفكر ، وكأني أفكر في اللاشيء .. عزمت على الذهاب إلى المسجد الذي كان مسجد صبحي علِّي أجد هناك المشورة تجاه موقفي من علي.
سؤال وقف أمامي كالجدار .. لماذا رغبت دينا في الزواج مني وكان قد يمكنها العيش معي دون زواج ؟ .. أهي حقاً تحبني ؟!
أي حب ذلك الذي تعرفه دينا ؟ .. ربما وجدتني طعماً مختلفاً تاقت لتذوقه ، نوعاً مختلفاً من الرجال أثار فضولها ، عاشت معه فاستراحت إليه ، ويمكنها بسهولة الانسلاخ منه إذا عنَّ لها ذلك سواء كانت متزوجة ، أو غير متزوجة .. ربما تزوجتني لتضمن وجودي معها ليس كوجود أصيل ، ولكن كاحتياطي استراتيجي متواجد إذا احتاجت إليه ، وكأنه غير موجود إذا لم تحتج إليه .
وذهبت بعيداً مع تلك الكلمة العجيبة التي تلوكها الألسنة في كل بقاع الأرض ، من كل جنس ، ولون ، وعمر وفي كل وقت وترجف بها الأغنيات في كل أرض ليل نهار : الحب .