كأني سجين يلقى به إلى زمرة مسلوبي الحرية ، والهاربين من بحر الحياة .. خمسة من وجوه تعسة ، مرهقة لكن الوجه السادس كان كالشمعة في ظلام كثيف .. غرفة متسعة كصالة اجتماعات ، رطبة ، عفنة ، شحيحة الضوء ، ودخان السجائر يكاد يغطي سقفها ، فتح بابها فهاجمتني على الفور مجموعة من الروائح المقززة في خليط غريب مع الرطوبة .. بضعة أسرة مختلفة الأشكال اتخذت فيها أوضاعاً غير متناسقة ، وبعض المراتب تفترش الأرض في غير ترتيب .. رمقني بعض أصحاب الوجوه التعسة بامتعاض .. طعنت من أحدهم بهذه العبارة :
ناقصين قرف !
أسرع صاحب الوجه السادس يدفع عني الطعنة .. رحب بي ، وتعرف علي ، وأقسم أن أشاركه طعامه الذي شرع في إعداده .. طمأنني بسرعة عجيبة ، وأعلن أني صاحب حق منذ اللحظة في هذه الغرفة كأي شخص فيها ، وأن أتصرف على هذا الأساس .
في آخر الغرفة استلقى أحدهم على ظهره باستهتار وسيدة عجوز تعبث بشوك رأسه ، ثم تقبله في نهم ، وتتصابى ، وهو لا يبالي !
انتهينا من الطعام فأعطاني مضيفي مرتبة وغطاء وقال : هما لك ، اختر مكاناً في الغرفة يناسبك ولا يضايق أحداً .. لا تسمح لأحد منهم أن يظلمك أو يضايقك .
يزيد نهم السيدة العجوز تكاد تأكل لوح الثلج البارد الملقى على السرير بحذائه أكلاً .. قال مضيفي :
أرح السيدة يا زكي !
أراحنا الله منكم جميعاً ، ومن هذا البلد .
كان بشارة قد ودعني بحرارة .. أوصى أصحاب الغرفة بي . أوعز أني لن أقيم بهذه الغرفة طويلاً فهو سيبحث لي جاهداً عن عمل ومسكن بأسرع ما يمكن .
يا إلهي ! .. ما حدث لي أقرب ما يكون إلى الحلم الجميل .. في سويعات تتبخر معضلات جسيمة ها أنذا أجد السقف ومن يساعدني والأمل .. أجد من يمسك بيدي ، يخرجني إلى الشاطيء ويطعمني ، ويربت على كتفي ، لابد أنه دعاء السيدة الفاضلة ، الصابرة ، المجاهدة ، التي لا تكل لحظة ، ولا تعرف الشكوى أو الملل ، أول من يصحو وآخر من ينام ، كل فرد في الأسرة العريضة له مكان تحت جناحيها ، جناحي الرحمة .. تقتطع من طعامها لنزداد شبعاً ، تحمل همومنا جميعاً ، ما سمعتها تشكو هماً ، تقبل يدها شاكرة ربها على الدوام ، تبعث فينا الأمل وتشع بالدفء والحنان . تدعو لنا قبل طلوع الشمس وعند الغروب .. في كل أوقات صحوها .. كيف لا يستجيب الله المجيب لمثل تلك الدعوات الخالصة نابعة من هذا القلب الصافي ؟!
لن أنسى ما حييت موقف مضيفي صلاح ، لن أنسى أبداً موقف بشارة ، وعذراً لأصحاب تلك الوجوه التعسة فلن ألقي همومي أبداً على همومهم .. أظن أني لو عشت في هذه الغرفة شهراً واحداً لصدئت كل مفاصلي ، وانهارت قواي .. لن أستخدم هذا المكان إلا كاستخدام الملاجيء السفلية ساعة قصف الطائرات .
نمت نوماً عميقاً لم أشعر بأحد إلا وقت وصول صلاح عرفت أني نمت عشر ساعات كاملة كافية تماماً لغسل كل آثار متاعبي مهما كانت .. الساعة تشير إلى الثالثة صباحاً .. قمت إلى الصلاة ودعوت الله مخلصاً أن يكون معي ، أن يأخذ بيدي ، أن أستطيع تخليص والدي ووالدتي واخوتي وأخواتي من سياط الفقر القاسية ، وأنيابه الحادة .. بعد هذا الوقت بقليل سيستيقظ والدي ليتوضأ يتلو دعاءه المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يتوجه إلى المسجد ليصلي الفجر ، دون أن ييقظ والدتي لكنه حين عودته يجدها وقد أعدت إفطاره بأحسن ما يمكن بعد أن انتهت من صلاتها ثم يشربان الشاي معاً ، بعدها يذهب إلى حقله مصحوباً بدعواتها له ولنا ، ثم تبدأ عملاً لا ينتهي إلا بنومها .
لم يكن الوقت مناسباً لتبادل الحديث مع صلاح المجهد ، تركته لنومه فارتفع غطيطه بعد قليل .. كل من في الغرفة في سبات عميق ، ولا مكان معد للقراءة بإنارة محدودة بحدوده .. حاولت النوم ثانية حتى أستقبل الصباح بكامل قواي .. أغمضت عيني فتواردت الخواطر .. كيف يقولون أننا شعب من الكسالى ؟ اذهبوا إلى قريتي بعد ساعة تجدونها كخلية نحل ، ذاهبون إلى حقولهم ومراعيهم جماعات ، جماعات ، يتندرون على من يستيقظ بعد طلوع الشمس ، والدي في سن الستين ولا يحمل جسده دهناً ، يضرب الأرض بفأسه كالشباب ، لا يثنيه حر أو برد قد يعمل من طلوع الشمس إلى غروبها بلا كلل أو ملل ، ومثله أقرانه قد يبيتون بضع ليال في انتظار مياه الترعة من أجل ري فدان واحد أو بضعة أفدنة .. يستطيعون زراعة الصخر لا يهدأون .. كيف أنسى عم غزالي المسن الذي جف جسده .. هذا الشيخ ردم مستنقعاً عميقاً مساحته نصف فدان بفأسه ومقطفه وحيداً لا يجف له عرق ولا يعرف الراحة ، لم يمر عامان الا وقد استزرعه جنة فيحاء .. عند بدء عملية الردم ظننا أن الرجل قد أصابته لوثة الشيخوخة ، وأنه يحاول المستحيل .. ابتلع كل ساخر لسانه ، واستحق احترام الجميع .. كنت أرى الناس يحصدون القمح وشمس الصيف في أوج سطوتها كأنهم مردة الجن ، يغنون تحت وهج الشمس ويتسابقون !
طال بي انتظار الصباح تتوارد على الذاكرة صور من قريتي على امتداد سنوات عمري .. فلأنهض لأبدأ مشوار كفاحي .. نزلت إلى الشارع ، لم يكن النهار واضح المعالم ، محدد القسمات رغم أننا في أغسطس ، سطعت الشمس فجأة قوية كشمسنا ، بعدها بقليل اختفت الشمس وهطل المطر غزيراً ، نصف ساعة أو أقل سطعت الشمس قوية من جديد كأني أرى فصول السنة كلها في أقل من ساعتين .. سرت كثيراً أحاول التعرف على معالم المنطقة التي نسكن فيها ، كل ما فيها جميل لكني ما خرجت لأبحث عن الروعة والجمال ، قريباً أو بعيداً سيأتي وقت تكون النفس فيه مهيأة لذلك .. وقفت أمام أحد المطاعم أفكر .. كيف يمكنني السؤال عن عمل (غسل الأطباق) .. لم يكن لي بد من استخدام لغة الاشارة مع نطق أية كلمة بالانجليزية أو العربية حتى لا يظن بأنني أخرس .. وجدت رجلاً منهمكاً في تنظيف وترتيب الأشياء ، لم يظهر أي اهتمام بي ، لكن كان عليّ أن أنجز المهمة . وقفت أمامه ولساني يتلعثم ويداي ثقيلتا الحركة ، بطيئتا التعبير . بوجه جامد نطق بكلمة النفي واستمر في عمله . تسمرت في مكاني لبرهة ثم اتجهت خارجاً وأعماقي تدمي .. لم تكن المقابلة في المطعم الثاني الذي دخلته بأفضل من الأولى . بالتأكيد كثيرون من أمثالي يقتحمون المطاعم لنفس السبب .. في المطعم الثالث كان وجه من قابلته باشاً ما فهمته منه أنه ليس لديه الآن عمل .. ربما بعد ذلك .
حاولت اقتحام المطعم الرابع لكني افتقدت الشجاعة .. سرت كثيراً على غير هدى ، وجدت أن أستثمر الوقت في تعلم بعض العبارات السهلة من الكتاب البسيط لتعلم الألمانية الذي اشتريته قبل أيام .. يمكنني أن ألتهم أربع أو خمس عبارات التهاماً وسوف أسأل صلاح عن نطقها الصحيح . بالطبع يعرف نطق تلك العبارات البسيطة .. شعرت ببعض النشاط فهناك ما يجب عليّ عمله .. توجهت إلى الغرفة شبه المظلمة وأمسكت بالكتاب سيء الطباعة وانتقيت بعض العبارات التي يمكن بها إنجاز مهمتي في البحث عن عمل ، نطقها بالألمانية مكتوب بالأحرف العربية ، كنت على يقين أني أنطقها نطقاً مضحكاً ، أنتظر استيقاظ صلاح .. انتقيت عبارات أخرى ، كم كانت قدرتي على الحفظ هائلة . ما عهدت هذا في نفسي من قبل ، ولم أعرف قبل هذا أني أمتلك هذه القدرة العجيبة .
في اليوم التالي دخلت مطاعم عديدة أكثر جرأة ، وأقل خجلاً أسأل عن عمل .. ساعدتني العبارات التي حفظتها أكثر مما أتصور .. عدت ثانية إلى الحجرة الظلماء بخفي حنين لكني كنت أكثر تفاؤلاً واقبالاً على الحياة .. قليلة الكلمات التي تبادلتها مع رفاق الغرفة غير صلاح ، كل منهم له عالمه المغلق ، وسحنته الأكثر انغلاقاً ، بطبيعة الحال ستنفتح أمامي عوالمهم ولو بعد حين .
في المساء جاء بشارة لزيارتي ، فرحت بزيارته تلك فرحتي بلقائه الأول .. جاء بشارة يحمل البشرى: بعد ثلاثة أيام سيكون لي مكان أمام حوض غسل الأطباق في مطعم شهير .. احتضنت بشارة وشكرته من كل قلبي ، لابد أنها دعوات أمي المعلنة ، ودعوات والدي الصامتة .. سألتهم ما أستطيع من كتاب اللغة البسيط في هذه الأيام الثلاثة ، ولن أفلت أية كلمة ترد على مسامعي .. بالعمل ستحل تقريباً كل مشاكلي في هذا البلد ، بالطبع لن أظل غاسلاً للأطباق ، وسأهرب من هذه الغرفة العطنة في أقرب وقت ممكن .. وتعجبت : كيف يرضى صلاح بالبقاء في هذه الغرفة ولديه العمل ، وبالتالي القدرة على تركها ؟!
ذكر بشارة أن العمل ليس صعباً ، أي لا يحتاج إلى أية خبرات ، كل ما يحتاجه بعض اللياقة البدنية وبعض الصبر ، وبقليل من التركيز يمكنني تعلم عمل (البيتزا) خلال شهر .. صانع البيتزا الايطالية ينال ضعف أجر غاسل الأطباق تقريباً هذا غير المكسب المعنوي .. بعد شهر أو أكثر قليلاً يمكن تعلم كل أصناف الطهي الايطالي .. الطاهي هو العمود الفقري لأي مطعم ، وفرص العمل أمام الطاهي أكبر ، وكذلك فرص الكسب .
أخذ بشارة يداعب أمانيَّ وأحلامي إلى أن قال :
إن كنت طموحاً يمكنك بعد إجادة الطهي واكتساب خبراته استئجار أحد المطاعم ، فإذا نجحت في إدارته يمكن أن تكون صاحب سلسلة من المطاعم .
مهلاً يا صديقي العزيز فنكسة 67 علمتنا ألا نسرف في الأحلام ، أو أنه من الأفضل ألا نحلم رغم نصر أكتوبر العظيم ، الأقرب إلى المعجزات العسكرية فأنياب هزيمة 67 مازالت آثارها في نفوسنا تقطر الدماء .
إذاً فلأنجز عمل اليوم على أحسن صورة ، وليأت الغد على صورته .