الفصل 7

11 0 00

في الموعد المحدد ذهبت إلى المطعم الشهير وأنا أردد الدعوات وأتلو بعض الآيات الكريمة .. تفحصني صاحب المطعم من رأسي إلى قدمي ، ثم وقف أمامي وجهاً لوجه وتحسس كتفي وعضلات ساعدي .. أثنى بإشاراته على تكويني البدني .. شعرت بالمهانة كأني معروض في سوق للنخاسة ، لكن أليس هذا هو المطلوب مني : مجهود بدني أمتلك أدواته !

قمت بعملي في أول يوم بصورة مرضية ، وعدت إلى الغرفة الظلماء خفيفاً سعيداً .. كان صلاح نائماً عند عودتي ، ألقيت السلام على من بالغرفة .. يبدو أني تلقيت الرد .. نمت نوماً عميقاً زادته الأحلام الرائعة عمقاً على عمق .

مر أسبوع بكامله ، كل يوم أكتسب في العمل جديداً ، وأزداد ثقة في النفس ، ويتقرب صاحب العمل مني أكثر فأكثر .. اليوم يوم الجمعة وقد فاتتني صلاة الجمعة الماضية ، كم أحسست بالذنب .. أول مرة في حياتي أتخلف عن صلاة الجمعة ، أقدس الأشياء عندي ، حتى الذين لا يواظبون على الصلاة ، أو لا يصلون من أساسه لا تفوتهم صلاة الجمعة في قريتي .. تصادف أن كان عملي بعد الظهر ، وصلاح نائم ، اضطررت لأن أسأل أحد المقيمين معي في الغرفة عن مسجد قريب ، فوصف لي موقع المسجد وصفاً دقيقاً أستطيع أن أصل إليه سيراً .. أوصاني أن أحافظ على صلواتي وأقسم أنه كان يصلي بانتظام لكن الظروف حرمته هذه النعمة ، وأنه حتماً سيعود إلى الصلاة ، ويأمل أن يكون ذلك قريباً ، لم أشأ أن أستطرد معه في ماهية ظروفه ، ولمست فيه طيبة كنت أظن أنه محروم منها .. سعدت بكثرة المصلين من مختلف الجنسيات ، وبحثت عن ألماني يصلي معنا ، رأيت واحداً له سمت الألمان لكني لم أسأله عن جنسيته .. للمسجد عبق يتشابه مع عبق مسجدنا في أرض الميلاد .

لم يمر شهر إلا وقد أتقنت عمل (البيتزا) ، وتعلمت الكثير من العبارات الألمانية التي تمكنني تماماً من القيام بهذا العمل كاملاً ، وحصلت على وعد من صاحب العمل بالحصول على هذه الفرصة في أقرب وقت ممكن .

يمكنني الآن استئجار غرفة متواضعة أياً كان مستواها فستكون أفضل بكثير من تلك الغرفة الظلماء ، سأتمتع فيها بحريتي كاملة ، أسمع ما أحب سماعه ، أقرأ وقتما أشاء ، أرتبها على الشاكلة التي أحب ، أمارس فيها كل طقوس حياتي بكامل إرادتي .

ووجدت الغرفة .. غرفة في مبنى قديم بالدور الثاني ، تشرف على ساحة واسعة ، وايجارها مناسب جداً لأنها تدفأ بالفحم وليس بتدفئة مركزية .. ترك لي ساكنها السابق معظم ما أحتاج إليه .. سجدت لله شاكراً .. الآن ثبتت قدماي على الأرض الجديدة . الآن زال تجهم الأيام ، وكشفت لي عن الوجه الحلو . من حقي الآن أن أحلم وكنت قد نسيت الأحلام .

أخذت حقيبتي المتواضعة من الغرفة الظلماء ، وانتظرت صلاح حتى استيقظ فودعته ، وعانقت كل من في الغرفة ، ما كنت أظن أن وداعهم سيكون بهذه الحرارة ، حتى زكي ، لوح الثلج ، صاحب السيدة العجوز عانقني بحرارة وانسابت كلماته:

اشتغل سنة .. سنتين .. ثلاثة على الأكثر بهذه الروح ، وارجع إلى بلدك ، لو بقيت في هذا البلد أكثر من هذه المدة فستأكل مدخراتك ، وتأكلك .. اسأل مجرب .

وفى صاحب العمل بوعده وأصبحت عاملاً للبيتزا بعد غياب عاملها لسبب من الاسباب ، فتضاعف أجري ، وقوى مركزي ، أعد لخطوة أكبر ، أتعلم كل أصناف المأكولات الايطالية التي يقدمها المطعم ، لم يكن الأمر عسيراً .

تعرفت على مصريين كثيرين ، عن طريق المسجد ، أو مصادفة ، ولم أنس أبداً بشارة وكذلك صلاح حتى زكي ومن هم على شاكلته لم أحمل لهم في أعماقي إلا كل خير .

أصبحت الحياة في ناظري أوسع وأجمل ، وزالت تقطيبات جبيني ، وسالمت الناس ، كل الناس ، والأشياء ، كل الأشياء .. أصبحت جزء متناغماً مع الكون كله .

لعلها اللحظة الأسعد في حياتي حين أرسلت لوالدي أول مبلغ من كسب يدي .. المبلغ على بساطته يزيد عما تكسبه أسرتي بعد كد عام كامل .. أتخيل إشراقات السعادة في وجه أبي وأمي وسائر أفراد الأسرة ، سيسجد والدي شكراً للخالق الأعظم ، وستنهمر دعوات أمي كالمطر السخي ، وستطير الفرحة بالصغار .. ستعرف أسرتي التنعم ، وسيشتري أخي الأصغر كما أوصيت الدراجة التي كان يجدها حلماً بعيد المنال .. سيخرج أبي وأمي الكثير من الصدقات آملين أن أنعم أنا بالثواب .

اشتريت ملابس جديدة ، واعتنيت بطعامي ، لكني لم أقرب الخمر وفي خلدي أحاديث إمام مسجدنا في القرية . سمعته يقول (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) .. حديث شريف ، وها هو أثر نعمة الله يرى علي ، وشربت قصته : أن إحدى العاهرات آلت على نفسها أن تجعل ناسكاً متبتلاً أضحوكة قريته ، تحايلت بحيل شيطانية حتى استقدمته إلى بيتها ثم خيرته بين ثلاث : إما أن يضاجعها ، أو يقتل طفلاً لديها ، أو يشرب الخمر وإلا فستصرخ مستنجدة بالخلق أنه اقتحم بيتها بغرض اغتصابها ، وجد الناسك أن شرب الخمر الأقل غرماً ، فلما شربها ضاجع العاهرة وقتل الطفل .

رأيت بنفسي في برلين بعض ما تصنعه الخمر : في صباح باكر سيدة جميلة تترنح ثم تقتعد الرصيف لتبول أمام الخلق .. ورأيت ، ورأيت .

أعمل وأكسب وأحقق تقدماً في العمل والكسب ، وأقرأ ، وأصلي وأرى الحياة وردية رائعة وسخية .. أسير بخطا واسعة موفقة لتحقيق هدفي .. كدت أحسد نفسي !